كان المرض في ذلك الزمن من أكثر الأمراض رعبًا.
ينتشر بسرعة.
ويترك خلفه الموت والندوب.
ولم يكن السودان يملك آنذاك إنتاجًا محليًا كافيًا من اللقاح لمواجهة الخطر.
وسط هذه الأزمة، بدأ طبيب سوداني شاب رحلة بحث طويلة داخل المختبر.
كان اسمه الدكتور منصور علي حسيب.
ولم يكن يعلم أن عمله سيصبح جزءًا من تاريخ الطب والبحث العلمي في السودان.
لم يبدأ حلمه بالشهرة
وُلد منصور علي حسيب عام 1910، وتنقل في سنوات تعليمه الأولى بين عدة مدن سودانية.
ثم دخل مدرسة كتشنر الطبية، وتخرج عام 1934، وحصل على الجائزة الأولى في الطب.
لكن طريقه بعد التخرج لم يكن طريق المناصب السهلة.
اختار مجالًا كان يحتاج إلى صبر طويل.
البحث العلمي.
في المختبرات.
وبين العينات.
والأمراض التي كانت تهدد حياة آلاف الناس.
الوباء الذي غيّر مسار القصة
عندما ضرب الجدري منطقة الجزيرة عام 1938، لم يكن الأمر مجرد دراسة طبية عادية.
كان هناك وباء حقيقي.
وكان المطلوب إيجاد طريقة فعالة لمواجهة المرض.
شارك منصور علي حسيب في الأبحاث المتعلقة بالفيروس وتحضير لقاح الجدري، وأُجريت سلسلة من التجارب العلمية حتى تم التوصل، بالتعاون مع الدكتور إي. إس. هورغان، إلى تقنية ناجحة للإنتاج الكمي للقاح بما يكفي لتلبية احتياجات السودان.
كانت هذه لحظة مهمة.
لأن البحث لم يبقَ داخل الأوراق العلمية.
تحول إلى شيء يمكن أن يساعد في حماية الناس.
لم يكن يريد علاج المرض فقط
بعد سنوات من العمل والتدريب في بريطانيا، عاد منصور علي حسيب إلى السودان.
لكنه لم يعد باحثًا يريد بناء اسمه.
عاد ليبني مجالًا كاملًا.
في عام 1952، أصبح أول سوداني يتولى إدارة مختبرات ستاك للأبحاث الطبية.
ومن هناك بدأ تدريب أجيال من الأطباء والفنيين والعاملين في المختبرات.
لم يكن يبحث عن أن يكون الشخص الوحيد الذي يعرف.
كان يريد أن يكون هناك آخرون يستطيعون مواصلة العمل بعده.
من الجدري إلى أمراض أخرى
لم تتوقف أبحاثه عند مرض واحد.
ساهم في برامج إنتاج وتطبيق اللقاحات لمواجهة أمراض خطيرة، من بينها:
- الجدري.
- داء الكلب.
- التهاب السحايا الوبائي.
وكانت أبحاثه مرتبطة بالمشكلات الصحية الحقيقية التي تواجه السودان، وليس بمجرد البحث النظري داخل المختبر.
التجربة التي شارك فيها أكثر من 21 ألف شخص
في واحدة من أهم محطات مسيرته، شارك منصور علي حسيب في بحث علمي واسع حول لقاح التهاب السحايا.
وشملت الدراسة 21,640 شخصًا، كان معظمهم من الأطفال.
وكانت من التجارب المبكرة التي أثبتت أن لقاحًا معينًا يمكن أن يمنع التهاب السحايا من المجموعة A.
لكن هناك تفصيل مؤثر في القصة…
نُشرت نتائج هذا البحث عام 1973.
بعد وفاة منصور علي حسيب.
الأستاذ الأول
لم يكن منصور علي حسيب باحثًا فقط.
في عام 1963، أصبح:
أول أستاذ سوداني لعلم الأحياء الدقيقة والطفيليات.
وفي العام نفسه، أصبح أول سوداني يتولى عمادة كلية الطب بجامعة الخرطوم.
كان ينتقل من المختبر إلى قاعات المحاضرات.
ومن البحث العلمي إلى تدريب الأجيال الجديدة.
وكان يرى أن العلم لا يصبح أقوى عندما يحتفظ به شخص لنفسه…
بل عندما ينقله إلى الآخرين.
لكن قصته لم تتوقف عند الطب
كان له حضور في الحياة العامة أيضًا.
وأصبح عمدة لمدينة أم درمان.
ثم، في عام 1973، عُين رئيسًا لمجلس البحوث الطبية السوداني.
وفي العام نفسه، حصل على جائزة وميدالية الدكتور عبد الطيب شوشة من منظمة الصحة العالمية تقديرًا لإسهاماته في تطوير الصحة والبحث العلمي والخدمات الطبية.
وصل إلى لحظة التقدير العالمي.
بعد عقود قضاها بين المختبرات والجامعات والمستشفيات.
ثم جاءت النهاية المفاجئة
في 29 سبتمبر 1973، رحل منصور علي حسيب فجأة.
كان قد حصل في العام نفسه على واحدة من أهم الجوائز الدولية في مجال الصحة.
وكان لا يزال في قمة عطائه العلمي.
رحل الرجل…
لكن الأبحاث بقيت.
والطلاب الذين علّمهم بقوا.
والمجال الذي ساهم في بنائه استمر.
لماذا تستحق قصته أن تُروى؟
لأن بعض الأبطال لا يظهرون في ساحات المعارك.
بعضهم يقفون أمام أعداء لا يمكن رؤيتهم بالعين.
فيروس.
وباء.
مرض.
وخوف ينتشر بين الناس.
كان منصور علي حسيب واحدًا من هؤلاء.
لم يحمل سيفًا.
ولم يقُد جيشًا.
لكنه دخل المختبر، واستخدم العلم لمواجهة أمراض كانت تهدد حياة الناس.
الخاتمة
بدأت قصته بطبيب سوداني شاب اختار البحث العلمي.
ثم جاءت أزمة الجدري.
ودخل المختبر.
وساهم في تطوير طريقة لإنتاج لقاح يكفي السودان.
وبعد ذلك، لم يتوقف.
أسس.
ودرّب.
وبحث.
وعلّم.
حتى أصبح أول سوداني يتولى عددًا من أهم المواقع العلمية والطبية في البلاد.
ربما لم يكن الناس يرونه وهو يعمل داخل المختبر.
لكن نتائج ذلك العمل وصلت إلى خارج جدرانه.
إلى المرضى.
والأطفال.
والأطباء الذين تعلموا بعده.
فهل يمكن أن يكون أعظم أثر يتركه الإنسان هو شيء لا يعرف معظم الناس حتى اسم صاحبه… لكنه يحمي حياتهم؟ 🇸🇩
