في ثلاثينيات القرن العشرين، كان السودان يعيش تحت الحكم البريطاني المصري، وكانت المشاركة السياسية للسودانيين محدودة، بينما بدأ جيل جديد من المتعلمين يبحث عن طريقة مختلفة للتعبير عن طموحات البلاد.
في مدينة ود مدني، كان شاب سوداني يتابع هذه التحولات عن قرب.
كان اسمه أحمد خير المحامي.
لم يكن يعلم أن محاضرة واحدة سيلقيها أمام مجموعة من الخريجين ستتحول إلى فكرة سياسية وتنظيمية سيكون لها أثر كبير في الطريق نحو استقلال السودان.
شاب من ود مدني يبحث عن طريق جديد
وُلد أحمد خير في أوائل القرن العشرين، ونشأ في بيئة كان التعليم فيها يفتح أمام الشباب السوداني أبواباً جديدة.
درس في كلية غردون التذكارية، ثم واصل دراسة القانون، وتخرج محامياً عام 1944.
لكن اهتمامه لم يكن بالقانون وحده.
كان يرى أن المتعلمين السودانيين يستطيعون القيام بدور أكبر في الحياة العامة، وأن تجمعهم حول أهداف وطنية يمكن أن يمنح الحركة الوطنية قوة جديدة.
محاضرة غيّرت مجرى الأحداث
بعد توقيع المعاهدة البريطانية المصرية عام 1936، شعر كثير من السودانيين بأن مصالحهم لم تكن ممثلة بالشكل الذي يطمحون إليه.
وفي هذه الأجواء، ألقى أحمد خير محاضرة في نادي الخريجين بمدينة ود مدني عام 1937، تحدث فيها عن واجب الخريجين تجاه بلادهم، ودعا إلى توحيد أفكارهم وتنظيم جهودهم بعيداً عن الانقسامات الطائفية والقبلية.
نشرت مجلة «الفجر» مضمون المحاضرة، وانتقلت الفكرة من قاعة صغيرة في ود مدني إلى أندية الخريجين في مدن سودانية مختلفة.
فكرة تحولت إلى مؤتمر
لم تكن فكرة أحمد خير مجرد إنشاء نادٍ جديد.
كان يريد تجمعاً يستطيع الخريجون من خلاله مناقشة قضايا السودان والعمل من أجل إصلاح التعليم والمجتمع والقوانين، ثم تطوير موقف وطني موحد.
بدأت المشاورات والندوات في أم درمان وود مدني وبورتسودان وغيرها.
وبعد سلسلة من الاجتماعات والجهود، تأسس مؤتمر الخريجين العام في فبراير 1938، وأصبح أحمد خير واحداً من أبرز الشخصيات المرتبطة بفكرته وتأسيسه.
لم يبدأ المؤتمر بالسياسة
المثير في قصة مؤتمر الخريجين أن بدايته لم تكن سياسية بالمعنى المباشر.
اهتم المؤتمر في سنواته الأولى بالتعليم والرياضة والثقافة والعمل الاجتماعي، وساهم في دعم المدارس الأهلية ومساعدة الطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون في الخارج.
لكن الأحداث السياسية في السودان والعالم سرعان ما دفعت المؤتمر إلى الاقتراب أكثر من القضية الوطنية.
مذكرة وضعت مطالب السودان على الطاولة
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتغير الظروف الدولية، بدأ مؤتمر الخريجين يرفع سقف مطالبه.
وفي عام 1942، قدم المؤتمر مذكرة اعتُبرت محطة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية السودانية.
طالبت المذكرة بحق السودانيين في تقرير مصيرهم بعد الحرب، وزيادة مشاركتهم في الوظائف السياسية، وإصلاح النظام القضائي، وإلغاء قانون المناطق المقفولة، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق بالتنمية والاقتصاد.
وهكذا انتقل مؤتمر الخريجين من الاهتمام بقضايا المجتمع والتعليم إلى لعب دور واضح في الحركة الوطنية.
أحمد خير.. صاحب الفكرة وكاتب التاريخ
لم يكتفِ أحمد خير بالمشاركة في الحركة الوطنية.
كتب لاحقاً كتابه الشهير «كفاح جيل»، الذي وثّق فيه تجربة مؤتمر الخريجين وتطور الحركة الوطنية في السودان.
وأصبح الكتاب من المصادر المعروفة لدراسة تلك المرحلة، إلى جانب محاضر مؤتمر الخريجين والدراسات التي تناولت الحركة الوطنية السودانية.
لكن قصته لم تكن بلا جدل
مثل كثير من الشخصيات السياسية في تاريخ السودان، لم تكن مسيرة أحمد خير خالية من التناقضات.
فبعد قيام الحكم العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود عام 1958، أصبح أحمد خير مستشاراً قانونياً للمجلس العسكري الأعلى، ثم تولى وزارة الخارجية.
ولهذا يرى بعض الباحثين أن هناك تناقضاً بين أفكاره السابقة حول الديمقراطية ومشاركته لاحقاً في نظام عسكري.
وهذه النقطة تجعل قصته أكثر تعقيداً من مجرد قصة رجل وطني رسم طريقاً نحو الاستقلال.
إنها قصة سياسي ومفكر عاش تحولات السودان بنفسه، واتخذ مواقف تغيرت مع تغير الظروف.
من محاضرة في ود مدني إلى حركة وطنية
ربما لم يتوقع أحمد خير عندما وقف أمام زملائه في نادي الخريجين بود مدني عام 1937 أن فكرته ستتجاوز حدود المدينة.
لكنها انتقلت من محاضرة إلى نقاش.
ومن نقاش إلى اجتماعات.
ومن اجتماعات إلى مؤتمر.
ثم أصبح المؤتمر أحد الأطر المهمة التي ساهمت في تطور الحركة الوطنية السودانية في العقود التي سبقت الاستقلال.
الرجل الذي ترك وراءه سؤالاً
توفي أحمد خير عام 1995، بعد حياة طويلة شهد خلالها مراحل شديدة التحول في تاريخ السودان.
لكن اسمه بقي مرتبطاً بمرحلة مهمة من تاريخ الحركة الوطنية، وبفكرة مؤتمر الخريجين التي ساهم في الدفع بها إلى الواجهة.
ويبقى السؤال حول تجربته مفتوحاً:
هل كان أحمد خير واحداً من أبرز رجال الحركة الوطنية الذين ساهموا في بناء الوعي السياسي السوداني، أم أن مواقفه اللاحقة تكشف عن شخصية سياسية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في البداية؟
الخاتمة
بدأت الحكاية بمحاضرة في نادي الخريجين بمدينة ود مدني.
لم تكن المحاضرة جيشاً.
ولم تكن مظاهرة.
ولم تكن معركة بالسلاح.
كانت مجرد كلمات طرح فيها شاب سوداني فكرة أن يتحد المتعلمون السودانيون حول قضايا بلادهم.
لكن الكلمات تحولت إلى تنظيم.
والتنظيم تحول إلى حركة وطنية.
وأصبح مؤتمر الخريجين واحداً من المحطات المهمة في تطور الحركة السياسية السودانية قبل الاستقلال.
أما صاحب الفكرة، أحمد خير، فترك وراءه قصة تحمل جانباً من نضال جيله، وجانباً آخر من التعقيدات التي رافقت السياسة السودانية بعد ذلك.
فكيف يمكن لفكرة بدأت داخل نادٍ صغير في ود مدني أن تتحول إلى واحدة من أهم محطات الحركة الوطنية في السودان
