في القرن التاسع عشر، كانت مناطق واسعة من وسط أفريقيا مساحات شاسعة قليلة الوجود الحكومي، تتنافس فيها القوافل التجارية والزعامات المحلية والقوى المصرية والأوروبية على النفوذ والثروة.
وفي ذلك العالم المضطرب ظهر رجل سوداني اسمه الزبير رحمة منصور، بدأ حياته تاجرًا، لكنه خلال سنوات قليلة أصبح صاحب نفوذ عسكري وسياسي هائل في بحر الغزال، حتى صار يُنظر إليه باعتباره الحاكم الفعلي لمساحات واسعة من المنطقة.
لكن قصة الزبير ليست قصة نجاح بسيطة؛ فهي تحمل في داخلها جانبًا مظلمًا للغاية، إذ ارتبط نفوذه بتجارة العاج والرقيق، وبناء قوة عسكرية اعتمدت على الغارات وتجارة البشر. ولهذا بقي اسمه مثيرًا للجدل في المصادر التاريخية حتى اليوم.
من الخرطوم إلى قلب أفريقيا
وُلد الزبير رحمة منصور نحو عام 1830، وينتمي إلى الجعليين في شمال السودان.
وفي عام 1856 تقريبًا، غادر الخرطوم متجهًا جنوبًا نحو بحر الغزال، وهي منطقة كانت في ذلك الوقت بعيدة عن السيطرة الحكومية المباشرة، لكنها غنية بالعاج وذات أهمية كبيرة للطرق التجارية.
لم يكن الزبير في البداية حاكمًا ولا قائدًا عسكريًا كبيرًا.
كان تاجرًا يبحث عن فرصة.
لكن المنطقة التي وصل إليها كانت مختلفة تمامًا عن الخرطوم؛ فالتاجر الذي يستطيع حماية تجارته وقوافله بقوة مسلحة يستطيع أن يتحول سريعًا إلى قوة سياسية.
وهذا بالضبط ما بدأ يحدث.
التاجر الذي بدأ يبني إمبراطوريته
أنشأ الزبير سلسلة من المراكز التجارية المحصنة المعروفة باسم الزرايب.
وكانت هذه المراكز بمثابة مستودعات ومقار تجارية وقواعد عسكرية في الوقت نفسه.
ومع مرور السنوات، توسع نفوذه، وأصبح لديه رجال مسلحون وطرق تجارية وشبكة من المراكز المنتشرة في أنحاء بحر الغزال.
لكن تجارة العاج لم تكن النشاط الوحيد.
فخلال ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر ارتبط نشاط الزبير بصورة مباشرة بتجارة الرقيق، وهي حقيقة أساسية في فهم تاريخه ولا يمكن فصلها عن القوة التي بناها. وقد وصف باحثون حديثون نظامه باعتباره جزءًا من منظومة تجارية أكبر في بحر الغزال، تحولت فيها بعض شبكات التجارة من التركيز على العاج إلى تجارة الرقيق مع تراجع أرباح العاج.
وهكذا لم تعد قوة الزبير مجرد قوة تاجر.
لقد أصبحت قوة لها جيش ومراكز وطرق ونفوذ.
جيش خاص في أرض بلا دولة قوية
بحلول أواخر ستينيات القرن التاسع عشر، أصبح الزبير قادرًا على مواجهة القوات التي ترسلها الحكومة المصرية إلى المنطقة.
وفي عام 1869 وقعت مواجهة كبيرة بين قوات مرتبطة بالحكومة وقوة الزبير في بحر الغزال، وانتهت بانتصاره.
كانت تلك اللحظة نقطة تحول.
فالرجل الذي كان يُنظر إليه كتاجر أصبح الآن قوة لا تستطيع الحكومة تجاهلها بسهولة.
وفي السنوات التالية اتسع نفوذه أكثر، حتى أصبحت له شبكة كبيرة من الزرايب والقواعد، وتشير المصادر إلى أنه وصل في أوج قوته إلى نحو ثلاثين مركزًا تجاريًا محصنًا.
وفي قلب هذه الشبكة ظهرت مدينة ارتبط اسمه بها إلى الأبد:
ديم الزبير.
عندما أصبح التاجر حاكمًا
كانت المشكلة بالنسبة للحكومة المصرية واضحة:
إذا حاولت القضاء على الزبير بالقوة، فقد تخسر نفوذها في منطقة واسعة.
وإذا تركته مستقلًا، فقد يتحول إلى دولة داخل الدولة.
لذلك اختارت القاهرة طريقًا أكثر دهاءً.
بدلًا من تدميره، قررت الاعتراف به والاستفادة من قوته.
وفي عام 1873 اعترفت الحكومة المصرية بنفوذه وعيّنته حاكمًا على بحر الغزال، فتحول الزبير رسميًا من قائد محلي شديد القوة إلى مسؤول مرتبط بالدولة المصرية.
كان ذلك انتصارًا سياسيًا كبيرًا بالنسبة له.
لكن المفاجأة أن هذه الخطوة نفسها كانت بداية النهاية.
عينه على دارفور
لم يكن الزبير رجلًا يرضى بسهولة بالحدود.
كان يريد توسيع نفوذه، وأصبحت دارفور جزءًا من طموحه.
وفي عام 1874 قاد قوات في الصراع الذي انتهى بسقوط سلطنة دارفور أمام القوات المصرية وحلفائها.
وانتهى الأمر بمقتل السلطان إبراهيم وسقوط الفاشر، لتصبح دارفور تحت السيطرة المصرية.
وهنا حدث شيء خطير.
الزبير لم يعد مجرد حاكم لبحر الغزال.
لقد أصبح قائدًا عسكريًا شارك في فتح إقليم كامل، وأصبح نفوذه أكبر مما كانت القاهرة مرتاحة له.
وبدأ السؤال الذي يخيف أي حكومة:
ماذا لو أصبح هذا الرجل أقوى من الدولة نفسها؟
القاهرة تبدأ في الخوف منه
بعد انتصاراته في دارفور، أراد الزبير أن يُكافأ بمنصب كبير هناك.
لكن السلطات المصرية لم تكن مستعدة لمنحه السلطة التي يريدها.
فبدلًا من العودة إلى بحر الغزال، قرر الزبير الذهاب إلى القاهرة بنفسه عام 1875 لعرض مطالبه وشكاواه.
وكان يتوقع أن يجد حلًا سياسيًا.
لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
فور وصوله تقريبًا، أصبح تحت الإقامة الجبرية.
لم تعد الحكومة تنظر إليه كتاجر مفيد أو قائد يمكن الاعتماد عليه.
بل أصبحت تنظر إليه باعتباره رجلًا قويًا جدًا، وقد يشكل خطرًا إذا عاد إلى السودان.
وهكذا، في لحظة واحدة تقريبًا، وجد الرجل الذي كان يسيطر على شبكة واسعة من المراكز في أفريقيا نفسه محبوسًا في القاهرة بعيدًا عن أرض نفوذه.
لكن أخطر مفاجآت القصة لم تأتِ بعد
كان الزبير بعيدًا عن السودان، لكن نفوذه لم يختفِ.
فقد كان ابنه سليمان الزبير يحاول الحفاظ على نفوذ الأسرة في بحر الغزال.
وفي عام 1877 وصل الجنرال البريطاني تشارلز غوردون إلى السودان حاكمًا عامًا.
وغوردون كان يعرف الزبير جيدًا، وكان يرى أن تجارة الرقيق التي ارتبط بها يجب أن تُحارب.
لكن الأمور تحولت إلى صراع أكثر تعقيدًا.
ففي عام 1879 انتهى تمرد سليمان، وقُتل بعد أن أُرسل رومولو غيسي لمواجهته، بينما بقي الزبير نفسه بعيدًا في القاهرة.
وبذلك فقد الزبير أهم شيء كان يمكن أن يعيد له نفوذه:
القوة الموجودة على الأرض.
من عدو لغوردون إلى الرجل الذي أراد غوردون الاستعانة به
وهنا تأخذ القصة منعطفًا يكاد يبدو كأنه من رواية تاريخية.
بعد سنوات قليلة، اندلعت الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي.
بدأت القوات المصرية تتعرض لهزائم كبيرة، وسقطت مناطق واسعة من السودان في أيدي قوات المهدي.
ثم جاءت كارثة جيش هكس في نوفمبر 1883، عندما دُمر الجيش المصري في كردفان.
أصبحت الحكومة المصرية وبريطانيا تبحثان عن أي قوة تستطيع مواجهة الثورة.
وفجأة عاد اسم الزبير إلى الواجهة.
الرجل الذي كانت السلطات تخشاه.
الرجل الذي كان غوردون نفسه قد عارض عودته إلى السودان.
أصبح الآن، paradoxically، واحدًا من أكثر الرجال الذين يمكن أن تعتمد عليهم الحكومة في إنقاذ السودان.
غوردون يغيّر رأيه
في البداية كان غوردون يرى أن إعادة الزبير إلى السودان ستكون كارثة، لأنه قد يبني دولة قوية مستقلة ويعيد نفوذه القديم.
لكن بعد وصول غوردون إلى الخرطوم عام 1884، تغيّر موقفه تدريجيًا.
أصبح يرى أن الزبير ربما يكون الشخص الوحيد القادر على تنظيم قوة سياسية وعسكرية تمنع انهيار السودان بالكامل.
وبحلول مارس 1884 تقريبًا، أصبح غوردون يؤيد فكرة إرسال الزبير إلى السودان، بل طرح إمكانية أن يصبح حاكمًا للسودان، في محاولة لإيجاد قوة قادرة على مواجهة المهدي والمحافظة على قدر من الاستقرار.
تخيّل المفارقة:
غوردون الذي كان يخشى الزبير أصبح يريد استخدام الزبير لإنقاذ السودان.
لكن كانت هناك مشكلة ضخمة.
بريطانيا تقول: مستحيل
كان الزبير معروفًا في أوروبا آنذاك بارتباطه بتجارة الرقيق.
ولذلك أثارت فكرة تعيينه حاكمًا للسودان اعتراضات قوية في بريطانيا، خصوصًا من الجهات المناهضة للرق.
كانت الحكومة البريطانية تريد الانسحاب من السودان، لكنها لم تكن تريد أن يبدو الأمر وكأنها تعطي السلطة لرجل اشتهر بتجارة الرقيق.
وفي النهاية لم توافق بريطانيا على الخطة.
وهكذا ضاعت فرصة ربما كانت ستغير مسار تاريخ السودان.
وبقي غوردون في الخرطوم.
وبقي الزبير بعيدًا.
ثم جاء حصار الخرطوم.
سقوط الخرطوم
في يناير 1885 سقطت الخرطوم بعد حصار طويل.
وقُتل غوردون.
وبعد ذلك بفترة قصيرة، قررت السلطات البريطانية تشديد احتجاز الزبير، خشية أن يكون على صلة بالمهدي أو أن يشكل خطرًا سياسيًا.
ونُقل إلى جبل طارق، حيث ظل محتجزًا دون محاكمة لفترة طويلة.
الرجل الذي كان في يوم من الأيام يملك نفوذًا واسعًا في قلب أفريقيا أصبح الآن سجينًا في مكان بعيد جدًا عن السودان.
لكن الزبير لم يستسلم.
السجين الذي عاد إلى السودان
بعد سنوات من الاحتجاز، أُطلق سراحه في النهاية.
ومع نهاية الحكم البريطاني-المصري في السودان وعودة البلاد إلى السيطرة السودانية في عام 1900، سُمح له بالعودة إلى السودان.
عاد الزبير إلى وطنه بعد عقود من الغياب.
لم يعد الرجل الذي خرج من الخرطوم شابًا يبحث عن التجارة.
كان قد أصبح رجلًا مسنًا يحمل وراءه تاريخًا مليئًا بالحروب والسياسة والثروة والخصومات والسجن.
واستقر في الجيلي شمال الخرطوم، حيث عاش سنواته الأخيرة.
النهاية الهادئة لرجل عاش حياة صاخبة
في يناير 1913 توفي الزبير رحمة منصور في الجيلي.
انتهت حياة رجل بدأ كتاجر، ثم أصبح قائدًا عسكريًا، وحاكمًا لبحر الغزال، وشارك في فتح دارفور، ثم تحول إلى سجين في القاهرة وجبل طارق، قبل أن يعود أخيرًا إلى السودان في سنواته الأخيرة.
لكن إرثه ظل شديد التعقيد.
فبعض الدراسات التاريخية تنظر إليه بوصفه شخصية كان لها تأثير كبير في تنظيم الإدارة والنفوذ المصري في بحر الغزال، بينما تؤكد دراسات أخرى أن القوة التي بناها قامت بدرجة كبيرة على نظام تجارة الرقيق والغارات المسلحة.
ولهذا فإن تقديم الزبير باعتباره بطلًا أو شريرًا فقط لا يعكس تعقيد عصره.
إنه واحد من أولئك الأشخاص الذين تكشف سيرتهم كيف كان السودان وأفريقيا في القرن التاسع عشر ساحة تتشابك فيها التجارة والحرب والاستعمار والسلطة وتجارة البشر في آن واحد.
رجل خرج من الخرطوم تاجرًا… وعاد إليها أسطورةً مثيرة للجدل
ربما تكون أكثر المفارقات إثارة في حياة الزبير أن قوته نفسها كانت سبب سقوطه.
فكلما اتسع نفوذه، زاد خوف الحكومات منه.
وكلما احتاجت إليه القوى السياسية، عادت إلى الاستعانة به.
حتى إن غوردون، الذي كان يرى في عودته خطرًا، انتهى به الأمر إلى التفكير في جعله حاكمًا للسودان عندما أصبحت الدولة مهددة بالانهيار.
لكن القرار جاء متأخرًا.
وبعد سقوط الخرطوم ومقتل غوردون، انتهت فرصة الزبير الأخيرة للعودة إلى قلب الأحداث.
وبقي التاريخ يحمل اسمه كواحد من أكثر رجال السودان في القرن التاسع عشر قوةً وإثارةً للجدل وتعقيدًا.
وهكذا انتهت رحلة رجل خرج من الخرطوم بحثًا عن التجارة، فبنى نفوذًا يشبه مملكة، ثم اكتشف أن المملكة التي بناها كانت هي نفسها السبب الذي جعل أقوى الحكومات تخشاه.
