في أعماق جبال النوبة، كانت هناك حكاية لامرأة لم تدخل التاريخ بقلم أو كتاب، وإنما دخلته وهي تحمل السلاح وتقف إلى جانب رجال قبيلتها في مواجهة القوات البريطانية.
كانت أميرة من جبال النوبة، وابنة السلطان عجبنا، سلطان النيمانغ في منطقة الدلنج بجنوب كردفان.
كان اسمها مندي بنت السلطان عجبنا.
وما يجعل قصتها مختلفة أن بطولتها لم تكن مجرد رواية عن امرأة شاركت في القتال، بل ارتبطت بحكاية أصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية السودانية، حتى خُلّدت سيرتها في مارش عسكري ظل معروفاً باسمها.
ابنة السلطان التي نشأت بين الجبال
كانت مندي ابنة السلطان عجبنا بن أروجا بن سبا، سلطان منطقة الأما، أو النيمانغ، بالقرب من الدلنج.
نشأت في بيئة كانت فيها الجبال جزءاً من حياة الناس، وكانت القبائل تحافظ على استقلالها وتدافع عن أراضيها في مواجهة محاولات إخضاعها للحكم الاستعماري.
وكان والدها من أبرز قادة المقاومة في المنطقة، فخاض مع رجاله مواجهات عنيفة مع القوات البريطانية.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
في نوفمبر 1917، اندلع تمرد النيمانغ ضد البريطانيين، بعد مقتل مفتش مركز الدلنج في كمين بالقرب من حجر السلطان.
ردت السلطات البريطانية بإرسال قوة عسكرية كبيرة إلى المنطقة لقمع التمرد وإخضاع الثوار.
لكن رجال السلطان عجبنا لم يتراجعوا.
وبدأت مواجهة غير متكافئة بين مقاتلين يعرفون الجبال جيداً وقوات استعمارية تمتلك أسلحة حديثة ومدفعية.
الحصار يشتد حول السلطان
مع استمرار القتال، تمكنت القوات البريطانية من تضييق الخناق على قوات السلطان عجبنا.
وأصبحت مصادر المياه تحت سيطرة القوات المحاصرة، بينما كان الثوار يقاتلون في ظروف صعبة داخل الجبال.
وصلت أخبار الحصار إلى مندي.
وعرفت أن والدها ورجاله أصبحوا في وضع شديد الخطورة.
وهنا اتخذت قراراً لم يكن أحد يتوقعه.
مندي تحمل طفلها وتذهب إلى المعركة
كانت مندي أماً لطفل رضيع.
لكنها عندما علمت بما يحدث، قررت أن تذهب إلى أرض المعركة لمساندة والدها ورجال قبيلتها.
ربطت طفلها على ظهرها، وحملت سلاحها، واستعدت للرحيل.
حاول بعض أهلها منعها من الذهاب، لكن مندي كانت مصممة على المشاركة.
وتروي الرواية الشعبية أنها كسرت «البخسة» أمام أهلها، في إشارة إلى أنها لن تتراجع عن قرارها.
الفارسة تدخل ساحة القتال
وصلت مندي إلى أرض المعركة وهي تحمل طفلها على ظهرها.
ولم تذهب لمجرد رفع معنويات المقاتلين، بل شاركت في القتال إلى جانب رجال قبيلتها.
وتروي الروايات المتداولة أنها كانت تقاتل بشجاعة، وتساعد الجرحى، وتعمل على رفع معنويات الثوار.
وكان وجودها بين المقاتلين يحمل رسالة واضحة:
إذا كانت ابنة السلطان قد جاءت بنفسها إلى ساحة القتال، فلن يكون من السهل على الآخرين التراجع.
المشهد الذي بقي في الذاكرة
وسط القتال، وقعت واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في قصة مندي.
كان طفلها لا يزال مربوطاً على ظهرها.
وتذكر الروايات الشعبية أن الطفل أصيب وقتل أثناء المعركة، بينما واصلت مندي القتال.
أصبحت هذه الحادثة واحدة من أكثر التفاصيل ارتباطاً بسيرتها في الذاكرة الشعبية السودانية، وأصبحت رمزاً للشجاعة والتضحية في مواجهة القوات الاستعمارية.
لكن شجاعة المقاتلين لم تكن كافية
كان الثوار يقاتلون في ظروف صعبة، بينما امتلكت القوات البريطانية تفوقاً كبيراً في السلاح والتنظيم.
ومع استمرار الحصار والقتال، تمكنت القوات البريطانية في النهاية من كسر مقاومة السلطان عجبنا.
وأُسر السلطان، ثم أُعدم لاحقاً في الدلنج في ديسمبر 1917، وفق المصادر التي تناولت أحداث تلك الفترة.
مندي لم تختفِ بعد المعركة
انتهت المعركة، لكن اسم مندي لم ينتهِ معها.
تحولت قصتها إلى رواية تتناقلها الأجيال في جبال النوبة والسودان، وأصبحت شجاعتها مرتبطة بأغانٍ وأناشيد شعبية.
ثم حدث شيء أكثر غرابة.
تحولت إحدى الأغاني التي خلدت اسمها إلى مارش عسكري، فأصبح اسم مندي يتردد في الموسيقى العسكرية السودانية، لتتحول قصة امرأة من جبال النوبة إلى جزء من الذاكرة الوطنية الأوسع.
لماذا أصبحت مندي رمزاً؟
لم تكن مندي سلطاناً.
ولم تكن قائداً لجيش كبير.
كانت ابنة سلطان وأماً ومقاتلة، وجدت نفسها أمام لحظة اختارت فيها أن تقف مع قومها بدلاً من البقاء بعيداً عن الخطر.
ولهذا أصبحت قصتها مختلفة عن كثير من قصص المقاومة.
فهي لم تُذكر فقط بسبب المعركة، وإنما بسبب الصورة التي ارتبطت بها: امرأة تحمل طفلها على ظهرها وتتجه إلى ساحة القتال دفاعاً عن أهلها.
امرأة خلدتها الأغنية
تقول المصادر التي تناولت سيرتها إن مندي عاشت حتى أواخر عام 1984، بعد أن أصبحت قصتها جزءاً من الذاكرة الشعبية في السودان.
وظلت الأغاني التي تتحدث عنها تتناقل قصتها، بينما بقي المارش العسكري المرتبط باسمها واحداً من أبرز أشكال تخليد سيرتها.
الخاتمة
بدأت الحكاية في جبال النوبة.
كان هناك سلطان يقاتل دفاعاً عن أرضه، وجيش استعماري يحاول إخضاع المنطقة.
ثم وصلت الأخبار إلى ابنته.
كانت مندي تستطيع أن تبقى بعيداً عن المعركة.
لكنها اختارت الطريق الأصعب.
ربطت طفلها على ظهرها، حملت سلاحها، وذهبت إلى والدها ورجاله.
وفي قلب المعركة فقدت طفلها، لكنها أصبحت هي نفسها واحدة من أشهر رموز الشجاعة النسائية في تاريخ السودان.
وبعد عقود طويلة، لم يبقَ اسمها في الكتب فقط.
بقي في الأغنية، وبقي في المارش العسكري، وبقي في ذاكرة الناس.
وربما لهذا تستحق قصة مندي بنت السلطان عجبنا أن تُروى من جديد:
كيف استطاعت امرأة من جبال النوبة أن تحوّل لحظة من أشد لحظات الحرب قسوة إلى قصة بقيت حية لأكثر من قرن؟
