بابكر بدري.. الرجل الذي بدأ من بيته
في السودان، لم تبدأ كل المعارك في ساحات القتال.
بعضها بدأ داخل بيت صغير، وبأداة بسيطة لا تبدو في ظاهرها قادرة على تغيير مجتمع كامل: القلم.
في بداية القرن العشرين، كان تعليم البنات في السودان محدوداً جداً، وكانت فكرة إنشاء مدرسة سودانية للبنات تواجه اعتراضات اجتماعية ومخاوف من السلطات.
وفي مدينة رفاعة، قرر رجل أن يخوض هذه المعركة بطريقة مختلفة.
كان اسمه بابكر بدري.
لم يكن غريباً عن الحروب؛ فقد شارك في أحداث الثورة المهدية وشهد معركة أم درمان عام 1898. لكن بعد سنوات من الاضطراب، انتقل إلى معركة مختلفة تماماً: معركة التعليم.
من هو بابكر بدري؟
وُلد بابكر بدري في القرن التاسع عشر، وعاش فترة شديدة الاضطراب من تاريخ السودان.
شارك في الثورة المهدية، ثم شهد سقوط أم درمان عام 1898، وبعدها انتقل إلى رفاعة، حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته بعيداً عن ساحات القتال.
اتجه إلى التعليم، وأصبح معلماً ثم موظفاً في مجال التعليم، قبل أن يتحول اسمه إلى واحد من أبرز الأسماء المرتبطة بتعليم البنات في السودان.
لكن الفكرة التي كان يفكر فيها لم تكن سهلة.
فكرة لم يكن الجميع مستعداً لقبولها
في ذلك الوقت، كان التعليم النظامي للبنات محدوداً للغاية، وكانت السلطات نفسها تتعامل مع تعليم الفتيات بحذر، بينما كان بعض أفراد المجتمع يرون أن إرسال البنات إلى المدارس فكرة غير مألوفة.
ومع ذلك، بدأ بابكر بدري يفكر في إنشاء مدرسة سودانية للبنات.
ولم يبدأ بمبنى ضخم أو مؤسسة كبيرة.
بدأ بما كان يملك.
بيته.
17 فتاة فقط
في عام 1907، أسس بابكر بدري مدرسة للبنات في رفاعة.
كانت البداية متواضعة جداً: 17 فتاة، تسع منهن من بناته، والباقيات من بنات الجيران.
بدأ التعليم في منزل مرتبط ببيته، ولم تكن هناك مؤسسة كبيرة أو إمكانات ضخمة.
كان لديه فقط فكرة وإصرار.
وربما لم يكن أحد يتخيل في ذلك الوقت أن هذه البداية الصغيرة ستتحول بعد عقود إلى تجربة تعليمية ذات أثر كبير في تاريخ تعليم المرأة في السودان.
لماذا عارض البعض تعليم البنات؟
لم تكن المشكلة في إنشاء المدرسة وحده.
كان بابكر بدري يتحرك داخل مجتمع له عاداته وتقاليده، وكانت فكرة تعليم البنات تواجه مخاوف واعتراضات اجتماعية.
كما كانت السلطات الاستعمارية حذرة من التوسع في تعليم الفتيات، وكان تعليم المرأة في السودان لا يزال في بداياته.
لكن بابكر بدري حاول أن يقدم التعليم بطريقة يستطيع المجتمع قبولها.
لم يكن يريد أن يشعر الناس أن المدرسة تهدم مجتمعهم، بل كان يحاول إقناعهم بأن تعليم الفتاة يمكن أن يكون جزءاً من صلاح الأسرة والمجتمع.
المدرسة التي بدأت بـ17 فتاة
مع مرور الوقت، بدأت التجربة تؤتي ثمارها.
تعلمت الفتيات القراءة والكتابة، إلى جانب التعليم الديني وبعض المهارات التي كان المجتمع يرى أهميتها في حياة المرأة والأسرة.
وبدأت النتائج تظهر.
فتيات بابكر بدري أصبحن مثالاً أمام المجتمع، وبدأت أسر أخرى تنظر إلى التعليم بطريقة مختلفة.
وهنا حدث شيء مهم.
لم يعد بابكر بدري بحاجة إلى إقناع الجميع بالكلام وحده.
بدأت المدرسة نفسها تتحدث عنه.
من رفاعة إلى بقية السودان
لم تتوقف الفكرة عند رفاعة.
واصل بابكر بدري عمله في مجال التعليم، وأصبح مفتشاً في وزارة المعارف، وتجول في مناطق مختلفة من السودان.
وفي عام 1919 أصبح من أوائل السودانيين الذين عملوا في تفتيش المدارس العربية، واستمر في العمل الحكومي حتى تقاعده عام 1929.
لكن مشروعه التعليمي لم يتوقف.
من المدرسة إلى الأحفاد
في عام 1930 افتتح بابكر بدري مدرسة خاصة حملت اسم «الأحفاد».
ثم انتقلت المدرسة لاحقاً إلى أم درمان، واستمرت الأسرة في تطوير المشروع التعليمي بعده.
واصل أبناؤه وأحفاده العمل في مجال التعليم، وكان من أبرزهم يوسف بدري، الذي ساهم في تطوير المؤسسة التعليمية.
ومع مرور العقود، تطورت مؤسسة الأحفاد إلى مؤسسة للتعليم العالي، وأصبحت أساساً لجامعة الأحفاد للبنات.
وهنا تأخذ القصة منعطفاً مدهشاً.
المشروع الذي بدأ بمجموعة صغيرة من الفتيات أصبح لاحقاً مؤسسة تعليمية كبيرة للنساء في السودان.
الرجل الذي حارب مرتين
عندما ننظر إلى حياة بابكر بدري كاملة، تبدو قصته مختلفة عن كثير من الشخصيات السودانية.
فقد عرف الحرب.
وعرف الاضطراب والمعاناة.
ثم اختار في مرحلة لاحقة أن يخوض معركة أخرى، ولكن بأدوات مختلفة تماماً.
القلم بدلاً من السلاح.
والمدرسة بدلاً من ساحة المعركة.
والتعليم بدلاً من القتال.
ولهذا بقي اسمه مرتبطاً بتاريخ التعليم في السودان، وبشكل خاص تعليم البنات.
لم تبدأ القصة بجامعة
من السهل اليوم أن ننظر إلى مؤسسة تعليمية كبيرة وننسى كيف بدأت.
لكن قصة بابكر بدري تذكرنا بأن المؤسسات الكبيرة قد تبدأ أحياناً من فكرة صغيرة جداً.
17 فتاة.
بيت.
ومعلم يؤمن بأن التعليم يمكن أن يغير المستقبل.
لم يكن يعلم بالتأكيد أن المشروع الذي بدأه في رفاعة سيستمر بعده لعقود، وأن اسم «الأحفاد» سيصبح مرتبطاً بالتعليم الجامعي للنساء في السودان.
إرث بقي بعد رحيله
لم تكن قيمة تجربة بابكر بدري في عدد الطالبات اللاتي تعلمن في بدايتها فقط، وإنما في الفكرة التي تركها وراءه.
فقد ساهمت تجربته في فتح نقاش أوسع حول تعليم المرأة ودورها في المجتمع السوداني، وأصبحت تجربة الأحفاد امتداداً لمشروع بدأه بإمكانات محدودة جداً.
وبذلك لم يعد التعليم بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل أصبح مشروعاً ترك أثراً امتد إلى أجيال بعده.
الخاتمة
لم يترك بابكر بدري وراءه قصراً ولا مملكة.
ترك شيئاً آخر.
فكرة استمرت بعد رحيله.
بدأها في وقت كان فيه تعليم البنات يواجه عقبات اجتماعية ومؤسسية كبيرة، وبدأها بإمكانات محدودة جداً.
لكن السنوات أثبتت أن الفكرة الصغيرة يمكن أن تكبر إذا وجدت من يؤمن بها.
من 17 فتاة في رفاعة بدأت الحكاية، ثم استمرت عبر الأجيال حتى أصبحت «الأحفاد» اسماً بارزاً في تاريخ التعليم النسائي في السودان.
وربما لهذا السبب تستحق قصة بابكر بدري أن تُروى من جديد.
فلو عاد بابكر بدري اليوم ورأى ما أصبحت عليه مؤسسة الأحفاد، هل كان سيتخيل أن المدرسة التي بدأت بـ17 فتاة ستصل إلى هذا الحد؟
