كانت فرنسا قد بسطت نفوذها على سلطنة وداي المجاورة، وبدأت تنظر شرقًا نحو دار مساليت.
وكان المطلوب واضحًا: أن تقبل السلطنة بالحماية الفرنسية، أو تواجه الحرب.
لكن سلطان دار مساليت محمد تاج الدين لم يكن مستعدًا للتنازل عن أرضه بسهولة.
الرسالة التي حملت تهديدًا
عندما وصلت أخبار التوسع الفرنسي إلى السلطان، جمع أعيان السلطنة وقادته للتشاور.
كان الجميع يعرف أن المعركة لن تكون متكافئة.
الفرنسيون يمتلكون البنادق والمدافع والأسلحة الحديثة، بينما يعتمد مقاتلو المساليت بدرجة كبيرة على السيوف والحراب والخيول.
ومع ذلك، اختار تاج الدين المواجهة.
بدأت التعبئة في دار مساليت، وتحركت قوات السلطان استعدادًا للمعركة التي كان الجميع يعرف أنها قد تكون فاصلة في تاريخ السلطنة.
كرندنق.. الضربة الأولى
في الرابع من يناير عام 1910، وصلت القوات الفرنسية إلى منطقة كرندنق بالقرب من الجنينة.
وكانت فرنسا تتوقع أن تكون المواجهة خطوة أخرى في طريق إخضاع دار مساليت.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
هاجم مقاتلو المساليت القوات الفرنسية، ووقعت معركة عنيفة انتهت بهزيمة الفرنسيين ومقتل قائد الحملة الفرنسية الكابتن فيقنشو، وفق الروايات التاريخية المحلية التي توثق أحداث المعركة.
كانت الهزيمة صادمة.
لكن السلطان تاج الدين كان يعرف شيئًا واحدًا:
الفرنسيون لن ينسوا هذه الهزيمة.
الفرنسيون يعودون
لم تكن معركة كرندنق نهاية الحرب.
بل كانت البداية الأخطر.
بعد أشهر، قررت فرنسا إرسال حملة أكبر بقيادة الكولونيل مول، بهدف الانتقام من الهزيمة وإخضاع دار مساليت بالقوة.
وفي نوفمبر 1910 تحركت القوات الفرنسية باتجاه قلب السلطنة.
وكان تاج الدين ينتظر.
لم يهرب.
ولم يطلب الصلح.
جمع قواته وتحرك لمواجهة الحملة الجديدة.
دروتي.. المعركة التي دخلت التاريخ
في التاسع من نوفمبر 1910، التقى الجيشان في دروتي شرق الجنينة.
كانت المعركة مختلفة عن الأولى.
القوات الفرنسية كانت تمتلك أسلحة ومدافع حديثة، بينما كان جيش السلطان يعتمد على الفرسان والمقاتلين المحليين.
ومع ذلك، اندفع مقاتلو المساليت في هجوم شديد على القوات الفرنسية.
وتشير المصادر إلى أن القوات المساليت تمكنت من قتل الكولونيل مول نفسه خلال القتال، في ضربة أربكت القوات الفرنسية.
لكن الثمن كان قاسيًا.
استمرت المعركة لساعات طويلة، وسقط عدد كبير من مقاتلي المساليت، كما قُتل السلطان تاج الدين نفسه في ذلك اليوم.
مات السلطان.. لكن السلطنة لم تسقط
كان من الممكن أن تتوقع فرنسا أن يؤدي مقتل السلطان إلى انهيار دار مساليت.
لكن ذلك لم يحدث.
بعد مقتل تاج الدين، تولى ابن أخيه محمد بحر الدين قيادة السلطنة، واستمر في مقاومة التوسع الفرنسي. وتشير المصادر إلى أن المقاومة استمرت بعد ذلك، وصولًا إلى مواجهات أخرى واتفاقية مع الفرنسيين عام 1913.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في القصة.
فرنسا استطاعت قتل السلطان في ميدان المعركة، لكنها لم تستطع إنهاء المقاومة التي بدأها.
لماذا كانت دروتي مهمة؟
لم تكن معركة دروتي مجرد مواجهة عسكرية محلية.
فقد جاءت في وقت كانت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية تتنافس على السيطرة على أفريقيا، وكانت فرنسا تحاول توسيع نفوذها شرقًا بعد إخضاع وداي.
ولهذا أصبحت مقاومة دار مساليت عقبة أمام التوسع الفرنسي باتجاه السودان. وتشير دراسة أكاديمية عن المعركة إلى أن انتصار المساليت ومقاومتهم كان له أثر سياسي وعسكري مهم في المنطقة، وأسهم لاحقًا في رسم ترتيبات الحدود والنفوذ في غرب السودان.
سلطان اختار المعركة وهو يعرف ثمنها
قصة تاج الدين ليست قصة رجل لم يعرف الخوف.
بل قصة سلطان كان يدرك تمامًا أن خصمه يمتلك سلاحًا أقوى وجيشًا أكثر تجهيزًا، ومع ذلك اختار ألا يسلّم أرضه دون مقاومة.
هُزم الفرنسيون في كرندنق.
وعادوا بحملة أكبر.
وفي دروتي سقط الكولونيل مول، وسقط معه السلطان تاج الدين وعدد كبير من رجاله.
لكن سقوط السلطان لم يكن نهاية القصة.
فقد استمرت دار مساليت في المقاومة، وانتقلت القيادة إلى من خلفه، وبقي اسم تاج الدين مرتبطًا بواحدة من أشهر مواجهات المقاومة ضد التوسع الفرنسي في غرب السودان وأفريقيا.
النهاية التي لم تكن فرنسا تتوقعها
دخل تاج الدين المعركة الأخيرة وهو يعرف أن ميزان السلاح ليس في صالحه.
لكنه دخلها مع رجاله على أي حال.
وفي التاسع من نوفمبر 1910، انتهت حياته في دروتي.
لكن بعد أكثر من قرن، ما زالت قصة ذلك السلطان تُروى في دار مساليت باعتبارها قصة رجل اختار المواجهة عندما كان الطريق الأسهل هو الاستسلام.
قُتل السلطان… لكن دار مساليت لم تسقط في ذلك اليوم.
وكانت تلك هي المفاجأة التي جعلت معركة دروتي تتجاوز حدود معركة عابرة، لتصبح واحدة من الصفحات اللافتة في تاريخ مقاومة الاستعمار في السودان وغرب أفريقيا.
