في ديسمبر عام 1955، كان السودان يقف أمام لحظة تاريخية.
سنوات طويلة من الحكم البريطاني المصري أوصلت البلاد إلى مرحلة أصبح فيها السؤال الأكبر واضحاً:
هل يكون السودان جزءاً من مصر، أم يصبح دولة مستقلة؟
وفي قلب هذا الصراع السياسي كان رجل سوداني يحمل موقفاً ظل لسنوات مرتبطاً بفكرة الاتحاد مع مصر.
كان اسمه إسماعيل الأزهري.
لكن قبل نهاية عام 1955، اتخذ الأزهري قراراً سيغيّر تاريخ السودان إلى الأبد.
قراراً لم يتوقع كثيرون أن يصدر من الرجل الذي قاد الحركة الاتحادية.
من هو إسماعيل الأزهري؟
وُلد إسماعيل الأزهري في أم درمان عام 1900.
تلقى تعليمه الأولي في ود مدني، ثم التحق بكلية غوردون التذكارية عام 1917، قبل أن يواصل دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت ويعود إلى السودان في ثلاثينيات القرن العشرين.
وبعد عودته، عمل في مجال التعليم، ثم انخرط بصورة متزايدة في النشاط الوطني والسياسي.
وكان من الشخصيات البارزة في مؤتمر الخريجين، حيث انتُخب أميناً عاماً للمؤتمر عام 1937.
ومن هنا بدأت رحلته السياسية التي ستقوده لاحقاً إلى رئاسة أول حكومة سودانية بعد الاستقلال.
من الخريجين إلى السياسة
في البداية، لم يكن مؤتمر الخريجين حزباً سياسياً.
كان إطاراً جمع المتعلمين السودانيين حول قضايا التعليم والإصلاح والمجتمع.
لكن مع مرور الوقت، أصبح المؤتمر أكثر انخراطاً في القضية الوطنية.
وكان الأزهري من أبرز الأصوات التي أرادت أن يكون للسودانيين دور أكبر في إدارة بلادهم وتحديد مستقبلها.
ومع تصاعد الحركة السياسية، بدأ الخلاف يظهر بين السودانيين حول السؤال الأصعب:
ما مستقبل السودان بعد انتهاء الحكم البريطاني؟
الأزهري والاتحاد مع مصر
كان إسماعيل الأزهري في مرحلة مهمة من حياته السياسية من أبرز دعاة الاتحاد مع مصر.
قاد الحزب الوطني الاتحادي، وأصبح من أقوى السياسيين السودانيين في تلك الفترة.
وعندما أجريت الانتخابات في مطلع الخمسينيات، صعد الأزهري إلى قمة المشهد السياسي.
وفي يناير 1954 أصبح أول رئيس وزراء سوداني منتخب في مرحلة الحكم الذاتي.
لكن المفارقة أن الرجل الذي ارتبط اسمه طويلاً بالاتحاد مع مصر سيصبح بعد فترة قصيرة أحد أهم الرجال الذين قادوا السودان نحو الاستقلال.
اللحظة التي تغيّر فيها الموقف
مع اقتراب السودان من تقرير مصيره، أصبح واضحاً أن الخلاف حول مستقبل البلاد يمكن أن يؤدي إلى انقسام خطير.
كان هناك من يريد الاتحاد مع مصر.
وكان هناك من يريد الاستقلال الكامل.
وكان الأزهري نفسه قد بنى جزءاً كبيراً من مسيرته السياسية على فكرة الاتحاد.
لكن الظروف السياسية تغيرت.
وفي عام 1955، بدأ الأزهري يميل بصورة واضحة إلى خيار الاستقلال.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة.
في 19 ديسمبر 1955، وقف إسماعيل الأزهري داخل البرلمان وأعلن أن السودان سيصبح دولة مستقلة.
ولم يكن الإعلان مجرد خطاب سياسي.
كان بداية النهاية للحكم البريطاني المصري في السودان.
القرار الذي وحّد البرلمان
كان من الممكن أن يتحول موضوع الاستقلال إلى معركة سياسية بين الأحزاب.
لكن حدث شيء أكثر أهمية.
اتفق النواب على إعلان الاستقلال، وصدر القرار بالإجماع في البرلمان في 19 ديسمبر 1955.
وهكذا لم يكن الاستقلال نتيجة معركة مسلحة في ذلك اليوم.
كان نتيجة قرار سياسي اتخذ داخل البرلمان، بعد سنوات من الصراع والنقاش حول مستقبل السودان.
الأول من يناير 1956
بعد إعلان البرلمان الاستقلال، بدأت الاستعدادات للحظة التي ينتظرها السودانيون.
وفي صباح 1 يناير 1956، اجتمع المسؤولون والشخصيات السياسية في القصر الجمهوري.
وفي الساعة التاسعة صباحاً، أعلن الأزهري رسمياً مولد السودان المستقل.
وأُنزل العلمان البريطاني والمصري اللذان ظلا مرفوعين في السودان لعقود.
ثم ارتفع علم السودان المستقل.
وفي تلك اللحظة، أصبح السودان دولة مستقلة ذات سيادة.
الأزهري والمحجوب.. لحظة لا تُنسى
كان إلى جانب إسماعيل الأزهري في تلك اللحظة أحد أبرز خصومه السياسيين، محمد أحمد المحجوب.
كان المحجوب من قيادات المعارضة، وكان الخلاف السياسي بين الرجلين معروفاً.
لكن في يوم الاستقلال، وقف الاثنان معاً.
رفع الأزهري والمحجوب علم السودان على سارية البرلمان، في مشهد أصبح من أشهر الصور المرتبطة باستقلال البلاد.
ماذا قال الأزهري في لحظة الاستقلال؟
لم يتعامل الأزهري مع الاستقلال باعتباره نهاية القصة.
في خطابه التاريخي، قال إن انتهاء الكفاح من أجل التحرير يعني بداية واجب جديد: حماية الاستقلال وصيانة الحرية وبناء الدولة.
وكانت رسالته واضحة:
السودانيون الذين نجحوا في الحصول على الاستقلال عليهم الآن أن يحافظوا عليه وأن يعملوا معاً لبناء بلدهم.
وكانت تلك الكلمات تعكس إدراكاً بأن الحصول على الاستقلال أسهل من المحافظة عليه وبناء دولة مستقرة.
لكن الاستقلال لم يكن نهاية المشاكل
بعد أن أصبح السودان دولة مستقلة، واجهت حكومة الأزهري تحديات ضخمة.
كان عليها بناء مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم العلاقة بين القوى السياسية، والتعامل مع الاختلافات الكبيرة بين أقاليم السودان.
كما كانت قضية جنوب السودان قد أصبحت من أكبر الأزمات التي واجهت الدولة الجديدة.
وكانت هناك خلافات سياسية متزايدة داخل البرلمان وحول شكل النظام السياسي ومستقبل البلاد.
الحكومة التي لم تستمر طويلاً
لم يستمر الأزهري في رئاسة الحكومة بعد الاستقلال سوى أشهر قليلة.
في يوليو 1956، خسر حكومته تصويتاً في البرلمان واستقال من منصب رئيس الوزراء.
وهكذا حدث أمر غريب في تاريخ السودان:
الرجل الذي قاد البلاد إلى الاستقلال لم يستمر طويلاً في قيادة الحكومة بعد أن تحقق الاستقلال.
عاد إلى القمة مرة أخرى
لم تنتهِ مسيرة الأزهري السياسية.
بعد ثورة أكتوبر 1964 وسقوط نظام إبراهيم عبود، عاد النشاط السياسي والحزبي إلى السودان.
وفي عام 1965 أصبح الأزهري رئيساً لمجلس السيادة، وهو منصب كان يمثل رأس الدولة في النظام السوداني آنذاك.
وبقي في هذا المنصب حتى انقلاب مايو 1969 الذي أنهى المرحلة الديمقراطية الثانية.
النهاية في سجن كوبر
بعد انقلاب جعفر نميري عام 1969، اعتُقل إسماعيل الأزهري ووُضع في سجن كوبر.
تدهورت حالته الصحية، ونُقل إلى المستشفى.
وفي 26 أغسطس 1969 توفي إسماعيل الأزهري في الخرطوم عن عمر 68 عاماً.
وهكذا رحل الرجل الذي وقف قبل ثلاثة عشر عاماً فقط أمام البرلمان ليعلن استقلال السودان.
المفارقة التي جعلت قصته مختلفة
ربما أكثر ما يجعل قصة إسماعيل الأزهري مثيرة للاهتمام ليس فقط أنه كان أول رئيس وزراء للسودان المستقل.
بل أن الرجل الذي بدأ حياته السياسية مدافعاً بقوة عن الاتحاد مع مصر انتهى به الأمر إلى قيادة السودان نحو الاستقلال الكامل.
كان التحول السياسي كبيراً.
لكن الأهم أن القرار جاء في لحظة كان فيها السودان أمام خيار تاريخي، وأن الأزهري اختار في النهاية أن يكون الاستقلال هو الطريق الذي يجتمع عليه السودانيون.
لحظة بقيت في ذاكرة السودان
عندما نتحدث اليوم عن استقلال السودان، يصعب فصل القصة عن صورة إسماعيل الأزهري وهو يقف في صباح الأول من يناير 1956.
رجل يقف أمام شعبه.
وعلم جديد يرتفع.
وعلمان قديمان يُطويان.
وبرلمان أعلن قبل أيام أن السودان أصبح دولة مستقلة.
كانت تلك اللحظة إيذاناً بميلاد جمهورية السودان المستقلة.
الخاتمة
بدأ إسماعيل الأزهري حياته معلماً.
ثم أصبح ناشطاً وطنياً.
ثم دخل عالم السياسة.
وقاد الحزب الوطني الاتحادي.
وأصبح أول رئيس وزراء للسودان.
ثم اتخذ في اللحظة الحاسمة قراراً غيّر موقفه السياسي ودفع نحو الاستقلال.
وفي 19 ديسمبر 1955، أعلن البرلمان استقلال السودان.
وبعد أقل من أسبوعين، وفي صباح الأول من يناير 1956، وقف الأزهري أمام اللحظة التي انتظرها السودانيون طويلاً.
ارتفع علم السودان.
وأُعلن استقلال البلاد.
لكن قصة الأزهري تترك وراءها سؤالاً لا يزال مثيراً للاهتمام:
كيف استطاع الرجل الذي كان أحد أبرز دعاة الاتحاد مع مصر أن يصبح هو نفسه الرجل الذي قاد السودان إلى الاستقلال؟
