مدونة سودانية مدونة سودانية
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

فاطمة أحمد إبراهيم.. الفتاة التي ألغت مدرستها العلوم للبنات فبدأت إضرابًا غيّر حياتها



في إحدى مدارس أم درمان، اتُخذ قرار بدا عاديًا بالنسبة لإدارة المدرسة.

إلغاء بعض المواد العلمية التي تدرسها الطالبات.

واستبدالها بمواد اعتُبرت في ذلك الوقت أكثر «مناسبة» للبنات، مثل التدبير المنزلي والخياطة.

بالنسبة لكثير من الطالبات، كان القرار يعني نهاية الأمر.

لكن بالنسبة لفتاة سودانية شابة، كان الأمر مختلفًا تمامًا.

رفضت القرار.

ثم فعلت شيئًا لم يكن متوقعًا.

نظمت إضرابًا.

وكان اسم تلك الفتاة فاطمة أحمد إبراهيم. 🇸🇩

لم تكن تعرف وهي تقود ذلك الاحتجاج المدرسي أن حياتها ستأخذها لاحقًا إلى الصحافة، والسجن، والعمل السياسي، والمنفى، ثم إلى مقعد في البرلمان السوداني، لتصبح أول سودانية تُنتخب عضوة في البرلمان عام 1965. 

لكن قبل كل ذلك، كانت مجرد طالبة لديها سؤال بسيط:

لماذا يُسمح للآخرين بتعلم العلوم، ويُمنع منها البنات؟


من بيت مليء بالكتب بدأت الحكاية

نشأت فاطمة أحمد إبراهيم في أسرة متعلمة، وكان للقراءة والنقاش حضور واضح داخل البيت.

لم يكن المنزل مكانًا للصمت فقط، بل كانت فيه الكتب والصحف والنقاشات حول المجتمع والسياسة.

هذا الجو صنع لدى الفتاة الصغيرة فضولًا مبكرًا تجاه العالم من حولها.

تعلمت أن الإنسان لا يجب أن يقبل كل شيء كما هو.

وأن السؤال ليس خطأ.

وأن الاعتراض لا يعني دائمًا التمرد من أجل التمرد.

أحيانًا يكون الاعتراض هو بداية التغيير. 


القرار الذي أغضب طالبة سودانية

عندما كانت فاطمة تدرس في مدرسة أم درمان الثانوية للبنات، قررت الإدارة إلغاء تدريس بعض المواد العلمية للطالبات.

وكان البديل هو التركيز على مواد مرتبطة بالأعمال المنزلية.

بالنسبة لفاطمة، لم يكن الأمر مجرد تغيير في جدول الدراسة.

رأت فيه رسالة أكبر.

رسالة تقول إن هناك أشياء معينة لا ينبغي للبنات أن يتعلمنها.

وهنا قررت ألا تلتزم الصمت.

بدأت تتحدث مع زميلاتها.

ثم تحولت الفكرة إلى خطوة أكبر.

إضراب طالبات.

وتشير سيرتها المنشورة إلى أن الإضراب نجح، وتم التراجع عن القرار واستمرت دراسة المواد العلمية. 

ربما لم يكن ذلك الإضراب كبيرًا في نظر التاريخ العالمي.

لكنه كان كبيرًا بالنسبة لفتاة اكتشفت شيئًا مهمًا جدًا:

أن الإنسان يستطيع أحيانًا تغيير قرار كامل إذا رفض الاستسلام له.


جريدة على الحائط

بعد ذلك، لم تتوقف فاطمة عن التعبير عن أفكارها.

أسست في المدرسة جريدة حائط حملت اسم «الرائدة»، وركزت على قضايا المرأة وحقها في التعليم والمشاركة.

كانت الكتابة بالنسبة إليها وسيلة أخرى للمواجهة.

لم تكن تحمل سلاحًا.

كانت تحمل قلمًا.

وفي وقت كان صوت النساء في المجال العام محدودًا، بدأت تكتب وتناقش وتنشر الأفكار.

لم تكن تعرف أن هذه البداية الصغيرة ستقودها لاحقًا إلى واحدة من أشهر المجلات النسائية في تاريخ السودان. 


من طالبة إلى صوت للمرأة السودانية

في خمسينيات القرن الماضي، بدأت الحركة النسائية السودانية تتشكل بصورة أكثر تنظيمًا.

وكانت فاطمة أحمد إبراهيم واحدة من النساء اللاتي ساهمن في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952.

لم يكن هدف الاتحاد مجرد تنظيم اجتماعي.

كانت هناك مطالب واضحة تتعلق بالتعليم، وحق المرأة في العمل، والمشاركة السياسية، وحق التصويت والترشح.

في ذلك الوقت، لم تكن هذه الأفكار سهلة القبول.

واجهت الحركة النسائية اعتراضات وضغوطًا وانتقادات.

لكن فاطمة ورفيقاتها استمررن.

وبدأت المرأة السودانية تفرض وجودها تدريجيًا في النقاش العام. 


«صوت المرأة»

في عام 1955، تولت فاطمة أحمد إبراهيم رئاسة تحرير مجلة «صوت المرأة».

لم تكن المجلة مجرد صفحات تتحدث عن الأزياء أو الحياة المنزلية.

تحولت إلى منبر يناقش قضايا المرأة والمجتمع والسياسة.

ومع تغير الحكومات والأوضاع السياسية في السودان، تعرضت المجلة بدورها للضغوط والتعطيل.

لكن الاسم بقي.

صوت المرأة.

وكان اختيار الاسم وحده يحمل معنى كبيرًا.

لأن المشكلة في ذلك الوقت لم تكن فقط في الحقوق.

كانت المشكلة أيضًا في أن كثيرًا من النساء لم يكن لديهن مساحة كافية لإيصال أصواتهن إلى المجتمع.

وفاطمة أرادت أن تكون تلك المساحة موجودة. 


ثورة أكتوبر تفتح بابًا جديدًا

ثم جاء عام 1964.

شهد السودان ثورة أكتوبر التي أطاحت بالحكم العسكري الأول.

وكانت فاطمة أحمد إبراهيم والحركة النسائية جزءًا من النشاط السياسي والمدني في تلك الفترة.

ومع التغيرات السياسية، حصلت المرأة السودانية على حق التصويت والترشح.

بعد سنوات من المطالبة.

وبعد سنوات من الكتابة والاحتجاج والتنظيم.

أصبح الباب الذي ظل مغلقًا لفترة طويلة مفتوحًا.

وكان السؤال الآن:

هل ستدخل امرأة سودانية البرلمان؟


عام 1965.. اللحظة التي دخلت فيها التاريخ

في الانتخابات التي جرت عام 1965، ترشحت فاطمة أحمد إبراهيم وفازت بمقعد في البرلمان السوداني.

وبذلك أصبحت أول سودانية تُنتخب عضوة في البرلمان، وهي محطة جعلت اسمها واحدًا من أبرز الأسماء النسائية في تاريخ السودان الحديث. 

لكن وصولها إلى البرلمان لم يكن نهاية المعركة.

كان بالنسبة إليها بداية مرحلة جديدة.

لأن الفرق كبير بين أن تطالب بحقوق الناس من خارج المؤسسة.

وأن تدخل إلى المؤسسة نفسها وتحاول تغيير القوانين من الداخل.

وهذا بالضبط ما حاولت القيام به.


لم تكن الحياة السياسية سهلة

مرت فاطمة أحمد إبراهيم خلال حياتها بمراحل صعبة.

تعرضت للاعتقال والملاحقة السياسية.

ثم جاءت واحدة من أصعب اللحظات في حياتها الشخصية عام 1971، عندما أُعدم زوجها، القيادي النقابي الشفيع أحمد الشيخ.

لم تكن الخسارة سياسية فقط.

كانت إنسانية وشخصية وعائلية.

وبعد ذلك فُرضت عليها الإقامة القسرية وتعرضت للاعتقال أكثر من مرة، وفق سيرتها المنشورة. 

كان يمكن أن تكون تلك اللحظات نهاية الطريق.

لكنها لم تكن كذلك.


من السودان إلى المنفى

في عام 1990، غادرت فاطمة أحمد إبراهيم السودان.

لكن المنفى لم يكن بالنسبة إليها نهاية العمل.

واصلت نشاطها خارج البلاد، وشاركت في فعاليات وقضايا مرتبطة بالسودان والمرأة وحقوق الإنسان.

وفي عام 1991، انتُخبت لرئاسة منظمة نسائية دولية، كما نالت لاحقًا جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 1993، بحسب سيرتها المنشورة. 

وهنا تصبح القصة أكثر إثارة للتأمل.

فتاة بدأت حياتها بإضراب داخل مدرسة.

ثم أصبحت صحفية.

ثم ناشطة.

ثم قائدة في الحركة النسائية.

ثم عضوة منتخبة في البرلمان.

ثم عاشت الاعتقال والفقد والمنفى.

ومع ذلك، لم تتوقف قصتها عند أي محطة.


العودة بعد سنوات طويلة

بعد سنوات طويلة خارج السودان، عادت فاطمة أحمد إبراهيم إلى البلاد في عام 2005.

كانت قد عاشت عمرًا كاملًا بين العمل العام والصراع السياسي والدفاع عن أفكارها.

لم تكن رحلتها سهلة.

ولم تكن خالية من الخسائر.

لكنها تركت وراءها أثرًا واضحًا في تاريخ المرأة السودانية والحياة السياسية في السودان. 


لم تبدأ القصة من البرلمان

من السهل أن ننظر اليوم إلى صورة امرأة دخلت البرلمان ونقول:

كانت شخصية سياسية كبيرة.

لكن هذه ليست بداية القصة.

البداية كانت في مدرسة.

وقرار بإلغاء العلوم للبنات.

وفتاة رفضت أن تقبل القرار.

هذا هو الجزء الأكثر إلهامًا في حياة فاطمة أحمد إبراهيم.

أن الشخص لا يبدأ دائمًا وهو يملك القوة.

أحيانًا يبدأ وهو مجرد طالب.

أو موظف.

أو شخص عادي يرى شيئًا خاطئًا ويقرر أن يقول:

لا.


من إضراب صغير إلى أثر كبير

ربما لم تكن فاطمة تعرف أن إضرابًا مدرسيًا سيصبح أول صفحة في حياة مليئة بالأحداث.

وربما لم تكن تتوقع أن اسمها سيصبح مرتبطًا بتاريخ البرلمان السوداني والحركة النسائية.

لكن كل طريق طويل يبدأ بلحظة.

لحظة قرار.

لحظة رفض.

لحظة شجاعة.

بالنسبة لفاطمة أحمد إبراهيم، ربما كانت تلك اللحظة عندما قررت أن العلوم ليست أقل أهمية للبنات.

ومن هناك بدأت الحكاية.


الخاتمة

لم تكن فاطمة أحمد إبراهيم امرأة وصلت إلى البرلمان بسهولة.

قبل ذلك كانت طالبة تقود إضرابًا.

وكاتبة تنشر أفكارها.

وصحفية.

وناشطة.

ثم امرأة واجهت الاعتقال والفقد والمنفى.

لكنها استمرت.

ولهذا ربما لا تكون أهم لحظة في قصتها هي لحظة دخولها البرلمان.

بل اللحظة التي سبقتها بسنوات طويلة.

عندما وقفت فتاة سودانية صغيرة أمام قرار لم يعجبها.

وكان يمكنها أن تصمت.

لكنها لم تفعل.


فهل كانت فاطمة أحمد إبراهيم تتخيل، وهي تقود إضرابًا داخل مدرستها، أن ذلك الصوت الصغير سيقودها يومًا إلى واحد من أهم مقاعد البرلمان في تاريخ السودان؟


عن الكاتب

مدونة سودانية

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

عن مدونة سودانية

مدونة سودانية تم تأسيسها في العام 2016، تهتم المدونة بأخبار السودان والعالم والقصص والعبر والثقافة والمعلومات وغيرها من المواضيع الهادفة والهامة ..

أقسام المدونة الأكثر تصفحاً

مرحباً بك، أنت الزائر رقم

جميع الحقوق محفوظة

مدونة سودانية