مدونة سودانية مدونة سودانية
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

حواء الطقطاقة.. المرأة التي حاربت الاستعمار بصوتها


 

لم تحمل بندقية.

ولم تكن قائدة جيش.

ولم تدخل ساحات القتال على ظهر حصان.

لكن صوت امرأة سودانية كان كافيًا لأن يجعل السلطات الاستعمارية تراقبها، وتعتقلها، وتنفيها بعيدًا عن المدينة.

كان اسمها حواء جاه الرسول.

لكن السودان عرفها باسم آخر ظل عالقًا في الذاكرة حتى اليوم:


حواء الطقطاقة.

كانت تغني في الأعراس.

ثم بدأت تغني للوطن.

وبينما كان كثيرون يخشون الحديث علنًا ضد الاستعمار، كانت حواء تقف وسط المظاهرات وتطلق صوتها بالأغاني والهتافات الوطنية.

وكان الثمن قاسيًا.

اعتقال.

ونفي.

واعتداءات جسدية.

لكنها لم تتوقف.

بل أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر النساء المرتبطات بتاريخ الحركة الوطنية والاستقلال في السودان.



طفلة أرادت أن تغني

وُلدت حواء جاه الرسول عام 1926 في منطقة الرهد بشمال كردفان، ونشأت في أسرة محافظة.

لكن منذ طفولتها، كان لديها شيء لم تستطع التخلي عنه.

الغناء.

لم تكن أسرتها راضية عن اختيارها، وفي ذلك الزمن لم يكن طريق المرأة إلى الغناء والظهور أمام الجمهور طريقًا سهلًا.

واجهت حواء الرفض مبكرًا.

لكنها لم تتراجع.

وفي سن صغيرة غادرت الرهد إلى الخرطوم، وهناك بدأت حياتها تأخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا.

كانت في الرابعة عشرة تقريبًا عندما بدأت تشق طريقها في عالم الغناء، لتصبح لاحقًا واحدة من أشهر الأصوات النسائية في السودان. 



من الأعراس إلى الشارع

في البداية، ارتبط اسم حواء بالغناء الشعبي وأغاني الأعراس.

كانت تغني للنساء.

وتشارك في المناسبات.

وتعرف تفاصيل المجتمع السوداني عن قرب.

لكن السودان في تلك السنوات لم يكن يعيش حياة هادئة.

كانت الحركة الوطنية تكبر.

وكانت الأصوات المطالبة بإنهاء الاستعمار البريطاني تزداد.

وهنا حدث التحول الكبير في حياة المغنية الشابة.

لم يعد صوتها مخصصًا للأعراس فقط.

بدأ يدخل الشارع.



أغنية ضد الاستعمار

شاركت حواء الطقطاقة في المظاهرات والنشاط الوطني المناهض للاستعمار البريطاني.

وكان حضورها لافتًا إلى درجة أن السلطات الاستعمارية بدأت تراقبها.

لم تكن امرأة تقف بعيدًا عن الأحداث.

كانت موجودة في قلبها.

وتشير روايات موثقة عن حياتها إلى أنها شاركت في مظاهرات في مدن العاصمة المثلثة، وتعرضت للاعتقال والنفي بسبب نشاطها الوطني.

وبحسب رواية نشرتها مجلة «سودانو»، ارتبط لقب «الطقطاقة» بمشاركتها المتكررة في المظاهرات، حتى أصبحت معروفة بحضورها الدائم في الاحتجاجات الوطنية. 



عندما أصبح الصوت خطرًا

ربما كان أخطر ما في حواء الطقطاقة أنها لم تكن تخفي موقفها.

كانت تغني.

وتظهر.

وتشارك.

ولهذا لم يكن الفن بالنسبة إليها مجرد وسيلة للترفيه.

أصبح موقفًا سياسيًا.

وتعرضت للاعتقال أكثر من مرة، كما تشير المصادر إلى أنها نُفيت إلى مدينة بربر بسبب نشاطها.

وفي إحدى الروايات التي وثقتها مجلة «سودانو»، تعرضت أيضًا لإصابة خلال إحدى المظاهرات، كما فقدت أسنانها الأمامية بعد اعتداء من أحد أفراد القوات البريطانية أثناء مشاركتها في نشاط وطني.

لكن ما حدث لم يجعلها تختفي.

بل بقيت حواء جزءًا من الحركة الوطنية حتى سنوات الاستقلال. 



لماذا سموها الطقطاقة؟

هناك أكثر من رواية حول أصل الاسم.

إحدى الروايات تقول إن اللقب أطلقه عليها مسؤول بريطاني بسبب ظهورها المتكرر في المظاهرات.

فأينما وقعت مظاهرة، كانت حواء موجودة.

وكان حضورها بالنسبة للسلطات مزعجًا ومتكررًا.

رواية أخرى تربط الاسم بشجرة «الطقطاق».

لكن مهما كان أصل اللقب الحقيقي، فإن الاسم أصبح جزءًا من تاريخ السودان.

حواء جاه الرسول أصبحت:

حواء الطقطاقة.

والاسم الذي ربما بدأ كلقب، تحول مع مرور الزمن إلى رمز.



امرأة تغني للاستقلال

مع اقتراب السودان من الاستقلال، أصبحت الأغاني الوطنية جزءًا من حياة حواء الطقطاقة.

وانضمت إلى الحركة السياسية المؤيدة للاستقلال، وارتبط اسمها بالحزب الوطني الاتحادي وزعيمه إسماعيل الأزهري.

وعندما جاء يوم الاستقلال، لم تكن حواء مجرد متفرجة.

كانت واحدة من الشخصيات المرتبطة بالاحتفال الوطني.

وتشير المصادر إلى أنها كانت أول مغنية سودانية تؤلف أغاني للاستقلال، كما عُرفت بارتدائها ثوبًا يحمل ألوان علم السودان الأول: الأزرق والأصفر والأخضر. 



الثوب الذي أصبح رمزًا

بعد الاستقلال، أصبحت حواء الطقطاقة معروفة بمشهد لا يُنسى.

امرأة سودانية ترتدي ثوبًا بألوان العلم.

لم يكن الأمر مجرد اختيار للملابس.

بالنسبة لها، كان إعلانًا واضحًا عن علاقتها بالوطن.

ظل العلم حاضرًا في صورتها.

وفي احتفالاتها.

وفي ذاكرتها.

وأصبحت واحدة من أكثر الشخصيات ارتباطًا بصورة الاستقلال في الذاكرة الشعبية السودانية.

حتى بعد تغير علم السودان لاحقًا، بقيت ألوان العلم الأول مرتبطة بصورة حواء الطقطاقة في ذاكرة كثير من السودانيين. 



لم تكن سياسية بالطريقة التقليدية

لم تكن حواء وزيرة.

ولم تكن عضوة في البرلمان.

ولم تكن تحمل منصبًا رسميًا.

لكنها امتلكت شيئًا آخر.

صوتًا يصل إلى الناس.

وهذا هو ما جعل قصتها مختلفة.

في زمن لم تكن فيه وسائل الإعلام تصل إلى الجميع بسهولة، كانت الأغنية تصل إلى الشوارع والبيوت والأسواق.

وكان الناس يحفظون الكلمات.

ويرددونها.

ولهذا أصبح الفن في يد حواء أداة تأثير.

أغنية يمكن أن ترفع معنويات الناس.

وتشجعهم.

وتجعل فكرة الوطن أقرب إلى قلوبهم.



المرأة التي دفعت ثمن موقفها

من السهل أن نتذكر اليوم حواء الطقطاقة باعتبارها مغنية شعبية شهيرة.

لكن خلف الأغاني كانت هناك حياة مليئة بالمخاطر.

اختارت طريقًا لم يكن سهلًا على امرأة في ذلك الزمن.

واجهت رفض المجتمع في بداية طريقها الفني.

ثم دخلت عالمًا أكبر وأكثر خطورة.

عالم السياسة والمقاومة الوطنية.

اعتُقلت.

وتعرضت للأذى.

لكنها استمرت.

وهذا ربما هو الجزء الأكثر إلهامًا في قصتها.

لم تكن تملك سلطة.

ولم تكن تملك جيشًا.

لكنها كانت تملك موقفًا.

وصوتًا.

والشجاعة الكافية لاستخدامهما.



حواء الطقطاقة والاستقلال

عندما نتحدث عن استقلال السودان، غالبًا ما تظهر أسماء القادة والسياسيين.

لكن الاستقلال لم يكن عمل السياسيين وحدهم.

كان وراءه طلاب.

وعمال.

ومثقفون.

ونساء.

وفنانون.

وكانت حواء الطقطاقة واحدة من النساء اللاتي شاركن في تلك المرحلة بطريقتهن الخاصة.

فقد حولت الأغنية إلى جزء من الذاكرة الوطنية.

وحولت صوتها إلى وسيلة للمشاركة في قضية أكبر منها.

قضية السودان نفسه.


رحلت المرأة وبقي الصوت

عاشت حواء الطقطاقة سنوات طويلة بعد الاستقلال، وظلت شخصية معروفة في الحياة الثقافية والوطنية السودانية.

وفي ديسمبر عام 2012، رحلت عن عمر ناهز 86 عامًا.

لكن بعض الشخصيات لا تختفي برحيلها.

لأنها تترك وراءها شيئًا أكبر من حياتها.

حواء تركت أغاني.

وتركت ذاكرة.

وتركت صورة امرأة لم تقبل أن تكون مجرد متفرجة على تاريخ بلدها.


الخاتمة

بدأت حواء الطقطاقة كفتاة صغيرة تريد أن تغني رغم اعتراض أسرتها.

ثم أصبحت مغنية.

ثم أصبحت أغانيها وطنية.

ثم وجدت نفسها وسط المظاهرات.

واعتُقلت.

ونُفيت.

وتعرضت للأذى.

لكنها لم تصمت.

وهذا هو سر بقاء قصتها حتى اليوم.

لأن حواء الطقطاقة أثبتت أن المقاومة لا تكون دائمًا بالبندقية.

أحيانًا…

تبدأ المقاومة بصوت امرأة.

وصوت يرفض أن يصمت.


فهل كانت حواء الطقطاقة تتخيل، وهي تغني في بدايات حياتها، أن صوتها سيصبح يومًا جزءًا من ذاكرة استقلال السودان؟


عن الكاتب

مدونة سودانية

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

عن مدونة سودانية

مدونة سودانية تم تأسيسها في العام 2016، تهتم المدونة بأخبار السودان والعالم والقصص والعبر والثقافة والمعلومات وغيرها من المواضيع الهادفة والهامة ..

أقسام المدونة الأكثر تصفحاً

مرحباً بك، أنت الزائر رقم

جميع الحقوق محفوظة

مدونة سودانية