في بلد يُعرف أهله بالكرم والضيافة والقدرة على الضحك وسط الشدائد، تبدو الصداقة بين السودانيين وكأنها من أقوى الروابط الاجتماعية. نجلس في الديوان أو تحت الشجرة، نشرب الشاي، نحكي قصص الماضي والحاضر، ونتبادل الوعود بأن "الصديق وقت الضيق". لكن إذا نظرنا بعمق، خلف هذا الجو الدافئ، تكمن حقيقة مرة: صداقتنا غالبًا ما تكون هشة، مشروطة، ومليئة بالتناقضات التي تظهر بوضوح في أوقات الاختبار الحقيقي.
الصداقة السودانية: بين الظاهر والخفي
السوداني يُبدي لصديقه ودًا يفوق الوصف. يفتح بيته، يقدم الطعام حتى لو كان آخر ما عنده، ويبذل جهدًا كبيرًا في "الترحيب". هذا ليس تمثيلاً دائمًا، بل جزء من تربيتنا الاجتماعية التي تجعل الضيف ملكًا. لكن هذا الود يتحول بسرعة إلى حسابات دقيقة عندما تظهر المصالح أو النجاح.
الصديق السوداني يفرح لك في البداية، يهنئك على وظيفتك الجديدة أو سفرك أو زواجك. يقول "بارك الله فيك يا أخي" بصدق ظاهر. ثم تبدأ الهمسات. "ده كيف وصل لهذا؟"، "أكيد فيه وساطة"، أو "لو كان مكاني كان عمل أحسن". الغيرة ليست دائمًا خبيثة، لكنها موجودة كظل يتبع كل نجاح. هذا ليس خاصًا بالسودانيين فقط، لكنه يأخذ طابعًا خاصًا عندنا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة والمنافسة الشديدة على الموارد المحدودة.
في أيام الشدة، مثل النزوح أو فقدان العمل، ترى الصداقة الحقيقية. بعض الأصدقاء يبقون، يساعدون بما يستطيعون، يتصلون ويتابعون. لكن كثيرين يختفون تدريجيًا. "الدنيا ضيقة يا أخي"، يقولون، وهم يبحثون عن من يساعدهم هم أيضًا. هنا تظهر المرارة: صداقتنا قوية في الفرح الجماعي، ضعيفة في الوجع الفردي.
لماذا يخاف السوداني من الصداقة العميقة؟
السبب الأول هو "الكرامة". السوداني يكره أن يظهر ضعفه أمام صديقه. يفضل أن يخفي مشاكله المالية أو العائلية خوفًا من أن يُستغل أو يُنظر إليه نظرة الرحمة. فيجلس معك يضحك ويحكي نكت، بينما قلبه مثقل. وأنت تفعل الشيء نفسه. فتصبح الصداقة رقصة على حبل مشدود: كل واحد يحاول أن يبدو "زول تمام" أمام الآخر.
السبب الثاني هو ثقافة "الغيبة". نحن ننتقد بعضنا بشدة خلف الظهر. صديقك اليوم قد يكون موضوع حديث الغد إذا اختلف معك في رأي سياسي أو لم يساعدك في أمر. هذا يجعل الثقة نادرة. كثير من الصداقات تنتهي لأسباب تافهة: كلمة قيلت في مناسبة، أو عدم دعوة لحفلة، أو حتى اختلاف في طريقة تربية الأولاد.
والأمر الأكثر إيلامًا هو تحول الصديق إلى منافس. عندما ينجح أحدهم في الهجرة أو يحصل على فرصة عمل جيدة، يبدأ الآخرون في مقارنة أنفسهم به. بدل أن يكون مصدر إلهام، يصبح تذكيرًا بفشلهم. فيقول أحدهم في نفسه: "هو ليه وأنا ليه؟" ويبتعد تدريجيًا. هذا الشعور بالحسد المكبوت يأكل الصداقة من الداخل.
الصداقة في زمن الحرب والنزوح: الاختبار الأقسى
بعد أبريل 2023، تعرضت صداقات كثيرة لامتحان قاسٍ. بعض الأصدقاء شاركوا في النزوح معًا، ساعدوا بعضهم في حمل الأغراض، وبحثوا عن مأوى. هذه الصداقات تعززت وأصبحت أقوى. لكن كثيرًا ما حدث العكس. اختلاف الرأي في السياسة أو الانتماء أدى إلى قطيعة مريرة. "أنت معاهم وأنا ضد"، فتنتهي علاقة سنوات في ليلة واحدة.
الفلوس لعبت دورًا كبيرًا أيضًا. من يملك قليلًا يخاف أن يُطلب منه، فيبتعد. ومن لا يملك يخجل من الطلب، فيختفي. النتيجة: شبكة اجتماعية متشققة، حيث يبقى القليلون الذين يثبتون أن الصداقة ليست مجرد كلام على الشاي.
كيف نصلح ما أفسدته طباعتنا؟
الصداقة الحقيقية تحتاج إلى شجاعة. شجاعة الاعتراف بالغلط، وقبول الاعتذار، والفرح بنجاح الآخر دون حساب. نحتاج أن نترك عادة "الكلام ورا الظهر" ونقول ما نشعر به مباشرة بلباقة. نحتاج أن نفهم أن الصديق ليس بديلًا عن العائلة، لكنه سند في أوقات لا تستطيع فيها العائلة أن تساعد.
الجيل الجديد، خاصة في المهجر، بدأ يغير بعض هذه الأنماط. يستخدمون التطبيقات للحفاظ على التواصل، ويتعلمون قيمة الدعم النفسي. لكن الجذور الثقافية عميقة، وتحتاج جهدًا واعيًا للتغيير.
في النهاية، السوداني قادر على صداقة مخلصة وعميقة. لدينا أمثلة تاريخية وشخصية كثيرة تثبت ذلك. لكننا نحتاج أن نختار: هل نريد صداقة سطحية مريحة، أم علاقات حقيقية تتحمل الضغط والاختلاف؟ الإجابة ستحدد مستقبل نسيجنا الاجتماعي في هذه الأيام الصعبة.
