الخوف من "العين" والثقافة اللي بتحمي الزول من نفسه
من أيام الجدود، والسوداني بيؤمن إن المديح المباشر بيجيب العين. ما هو "ماشاء الله" اللي بنقوله بعد أي كلمة إيجابية؟ هو درع. لو قلت لصاحبك "والله قميصك حلو" بدون "ماشاء الله"، ممكن يتوتر ويبدأ يفكر إنك بتتمناله شر. هذا الاعتقاد مش بس خرافة، هو جزء من آلية دفاعية اجتماعية.
في مجتمعنا، النجاح ما هو ملك الزول لوحده. هو عرضة للحسد من الجيران والأقارب والأصحاب. فالمديح قدام الوجه يُعتبر مخاطرة. أنت ما بتمدح، أنت بتفتح باب الغيرة. ولو مدحت، لازم تكون مديح "مقنّع"، زي "الحمد لله ربنا كريم" أو "الله يبارك فيك". الكلام المباشر "أنت زول ناجح" يُقابل بصمت أو برد بارد: "يا أخي، ده فضل الله بس".
هذا الخوف مش جديد. في الأسواق القديمة في أم درمان أو الخرطوم، كان التاجر يبيع بضاعته وهو يقول "ده رخيص والله" حتى لو غالي، عشان ما يجذب العين. واليوم، بعد الحرب والشتات، زاد التوتر. الزول اللي نجح في المهجر بيخاف يمدح صاحبه اللي لسه في السودان، عشان ما يُتهم بالتباهي. والعكس صحيح. المديح أصبح عملة نادرة، تُدخر للمناسبات الكبيرة فقط.
الحسد المكبوت والكرامة اللي بتقتل الصراحة
السوداني بيقدر يمدح الغريب بسهولة. شوف تعليقات الفيسبوك على صور أجنبي: "والله عبقري"، "تحفة". أما أخوك أو صاحبك؟ صعب. ليه؟ لأن المديح يعني اعتراف بتفوقه. وفي ثقافتنا، التفوق يُقابل بالتساؤل: "هو ليه ناجح وأنا ما نجحت؟" الحسد هنا مش دايما شرير، هو طبيعي في مجتمع تنافسي لكنه يفتقر للثقة الجماعية.
تخيل موقف بسيط: واحد من أصحابك فاز بمناقصة أو نجح في امتحان. أنت تقول له "مبروك"، لكن داخلك بتفكر "ليه ما أنا؟" فبدل ما تمدحه قدام الناس، تقول "الحمد لله، ربنا يوفق الجميع". هذا الكلام يحمي كرامتك. لو مدحته بقوة، ممكن يُفهم إنك أقل منه. والسوداني ما بيحب يحس إنه أقل.
في العلاقات الأسرية، الأمر أسوأ. الأب ما بيمدح ابنه قدام الناس خوفا من أن "يطير رأسه". الأم تقول "ولدي طيب" للجيران، لكن لابنها مباشرة: "قوم يا زول، الشغل ما خلص". هذا النمط بيورث جيلا بعد جيل. الطفل بيتعلم إن المديح خطر، والصمت أمان.
تأثير هذه الصفة على حياتنا اليومية والمجتمع
فكر في الشغل. في المكتب أو الشركة، المدير السوداني نادر ما يقول "عمل ممتاز" للموظف قدام الجميع. يفضل يهمس في الأذن أو يرسل رسالة. لأن المديح العلني بيخلق منافسة، وبيفتح أبواب "ليه فلان وما أنا؟" النتيجة؟ موظفين يشتغلوا للراتب فقط، مش للتقدير. والإنتاجية بتتأثر.
في الصداقة، الأمر مأساوي. صاحبك يسافر بره ويبني حياة جديدة، ترجع تشوفه تقول "الحمد لله عليك" بدل "فخور بيك". هذا النقص في التعبير بيخلي العلاقات سطحية. الناس بتحس بالتقدير من بعيد، لكن قدام بعضها، الجدران عالية.
بعد الحرب، زادت المشكلة. الشتات خلى كثير سودانيين يعيشوا في مجتمعات غربية تشجع على المديح المباشر. واحد يرجع من أوروبا يتفاجأ: "هناك يقولوا لك برافو كل يوم، هنا ما فيه". فيحاول يغير، لكن الطبع يغلب. فيعود للصمت. هذا التناقض بيولد إحباط داخلي. الزول بيحس إنه ما بيقدر يعبر عن مشاعره الحقيقية، فيتحول لـ"سوداني كلاسيكي": يمدح في الغياب، ويسكت في الحضور.
ليه ما بنقدر نغير هذا الطبع؟
الإجابة في التربية والمجتمع. من الصغر، بنسمع "لا تكثر المديح، يجيب العين". في المدارس، المعلم يصحح الورقة بدون كلمة تشجيع كبيرة. في البيت، النجاح يُقابل بـ"برافو" خفيف، ثم "بس ما تتكبر". الكرامة السودانية مرتبطة بالتواضع الزائد، اللي أحيانا بيصبح نفاق.
لكن الحقيقة المرة: هذا الطبع بيدمر الثقة بالنفس عند الأجيال الجديدة. الشباب بيحتاج مديح حقيقي عشان يستمر. لو ما لقاه من أقرب الناس، بيدور عليه في مكان تاني، أو بيفقد الدافع.
كيف نخرج من هذه الدائرة؟
ما بنقول نغير الثقافة جذريًا، لكن نعدلها. ابدأ بمديح مباشر بسيط، مع "ماشاء الله". قل لابنك "أنت ذكي والله، فخور بيك". قل لصاحبك "عملك اليوم كان ممتاز". هذا مش ضعف، هذا قوة. المجتمع اللي بيقدر بعضه بيتقدم.
السودانيين بره البلد بيعرفوا يمدحوا، لأن الضغط الاجتماعي أقل. ليه ما نطبقه هنا؟ النجاح مشترك. لو مدحت صاحبه، أنت بتشجع نفسك indirectly. الحسد بيقل لما التقدير يصير عادة.
في النهاية، المديح قدام الوجه مش رفاهية، هو حاجة أساسية للنفس البشرية. السوداني طيب وقادر على الحب الكبير، لكن الخوف والكرامة بيحبسوا هذا الحب. لو فتحنا قلوبنا شوية، ممكن نكتشف إن مدح الزول قدام وشه مش بيجيب شر، بل بيجيب نور.
