في أي مجلس سوداني، سواء كان في الديوان أو في القهوة أو حتى في مجموعة واتساب، هتلاقي الظاهرة دي متكررة بصورة مرعبة: كل واحد شايف نفسه الأذكى في الغرفة. مش بس شايف كده، ده بيتصرف على أساس إنه فعلاً كده. يقاطع، يصحح، يفسر، ينصح، وأحياناً يحتقر رأي اللي قاعد جنبه بكل براءة وكأنه بيشرح لي طفل في الصف الأول الابتدائي.
الجذور الثقافية للظاهرة
الأمر مش جديد، ولا هو نتيجة الحرب أو الغلاء أو الهجرة. الظاهرة دي متجذرة في تربيتنا من الصغر. السوداني لما يولد، أمه بتقوله “يا ذكي” قبل ما يفتح عينيه، وأبوه بيفتخر بيه قدام الجيران إنه “ما شاء الله بيفهم زي الكبار”. المدرسة بتكمل المهمة، والجامعة بتتوجها. فبنخرج للحياة وإحنا مقتنعين إن عقولنا مصنوعة من مادة مختلفة عن باقي البشر.
المشكلة إن الذكاء عندنا ما هو إلا “القدرة على النقد”. مش لازم تكون عندك حلول، يكفي إنك تلقط ثغرة في كلام اللي قدامك وتفضحه. ده اللي بنسميه “فطنة”. واللي ما بيعرف يعمل كده بنقول عليه “بسيط” أو “طيب”، ودي كلمات في قاموسنا تعني “غبي” بلباقة.
ليه الظاهرة دي بتزداد في السنين الأخيرة؟
بعد الحرب والتهجير والسوشيال ميديا، الظاهرة صارت أكثر حدة. كل واحد قاعد في بيته في الخرطوم أو القاهرة أو جدة أو لندن، عنده نظرية شاملة عن سبب فشل الثورة، وكيف كان لازم يتصرف الجيش، وشنو الحل الاقتصادي السحري اللي لو طبقناه غداً بنصير سنغافورة. وكل واحد شايف إن اللي يختلف معاه إما جاهل أو عميل أو “ما عنده وعي”.
الغريب إن الواحد ده لما يروح يشتغل في مشروع مع شريك، أو يدير فريق، أو حتى ينظم رحلة عائلية، بيفشل فشل ذريع. لأنه ما بيصدق إن فيه واحد تاني عنده فكرة أحسن منه. فيحصل اللي حصل: الشريك ينسحب، الفريق يتفكك، والرحلة تتحول لكارثة. وبعدين يرجع يقول “الناس دي ما بيفهموا”.
الجانب النفسي المر
الحقيقة المرة إن الإحساس ده بالذكاء الفائق غالباً ما يكون دفاع نفسي. السوداني مر بكثير من الإحباطات: دراسة في ظروف صعبة، وظائف لا تتناسب مع مؤهلاته، راتب لا يكفي، ومستقبل غامض. فبدل ما يواجه الواقع ويقول “أنا محتاج أطور نفسي”، يلجأ للدفاع الأسهل: “أنا أذكى من اللي حواليّا، هم اللي ما بيفهموا”.
ده بيخلينا نعيش في تناقض كبير. بنفتخر بذكائنا، وبنفخر أكثر بـ”تواضعنا”. يعني تقدر تلاقي واحد يقولك “أنا والله ما أحب أتكلم كثير” وبعد خمس دقايق يعطيك محاضرة في السياسة والاقتصاد والطب والتربية.
التأثير على علاقاتنا
الظاهرة دي بتدمر صداقات وعلاقات زواج وشراكات. لأن الزوجة لما تطرح رأي، الزوج بيرد عليها “أنتي ما فاهمة الدنيا دي”. والصديق لما ينصح، بنقول له “يا أخي أنت قاعد في مكيف وأنا عايش الواقع”. حتى الأب مع أولاده، بدل ما يسمع، بيفرض رأيه لأنه “أكبر وأفهم”.
ونادر جداً تلاقي سوداني يقول جملة زي: “رأيك سليم، أنا ما فكرت في الزاوية دي”. الاعتراف بالخطأ أو بالجهل في موضوع معين عندنا يعتبر نوع من الضعف. فبنفضل نجادل حتى في أمور ما نعرف عنها شيء، ونستخدم أسلوب “الكلام الفضفاض” عشان نغطي جهلنا.
هل فيه علاج؟
العلاج يبدأ من الاعتراف بالمرض. لازم نكون صريحين مع أنفسنا ونقول: نعم، في ناس أذكى مني في مجالات كثيرة. نعم، أحياناً أنا غلطان. نعم، الاستماع أهم من الكلام.
التربية لازم تتغير. بدل ما نقول للولد “أنت أذكى واحد”، نقوله “أنت قادر تتعلم أكثر، وفي ناس كثير عندهم خبرة تستفيد منها”. والمجتمع لازم يحترم الإنسان اللي يعترف بجهله أكثر ما يحترم اللي بيتكلم في كل شيء.
في النهاية، الذكاء الحقيقي مش في إنك تثبت إنك أذكى من اللي قدامك. الذكاء الحقيقي في إنك تعرف متى تسكت، ومتى تسمع، ومتى تقول “ما أدري”.

