![]() |
| رواية: الهدير |
رواية الهدير كاملة | بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الأولى:
جعفر وزوجته رقية وولده أبوبكر.. مسافرين.
مسافرين وين؟ مسافرين مدني.
لشنو؟ كدي دقيقة نتعرف عليهم وبعدين نعرف مسافرين لشنو.
البداية:
جعفر في منتصف الأربعينات، أسمر اللون، متوسط الطول، كثير الحركة. زول كل الحلة عارفينه زول واجبات بس مرات. عنده أمور بعرفها براهو بخلف المواعيد، كثير بشرشر الناس. عنده مزاج إنه يخلي شعر راسه بدون حلاقة وينفشه بالخلال كدا أو المشط، ويبري شنب كبير. وشريط مصطفى سيد أحمد ما بيطلع من العربية، ومرات بيصبغه بالأسود. شغال في شركة حفريات، مهندس جيولوجي. ساكن في حي طرفي في جنوب مدينة الخرطوم.
زوجته رقية امرأة في الثلاثينات، صغيرة البشوفة يقول دي عمرها عشرين سنة. عيونها واسعة حوراء، لونها زي لون القمح. مرات تقول طرقة فطير البي باللبن. مربوعة محزوقة وسط، في وشها الفال والسمح، موزونة الطول والعرض. بتحب كلام الفرحة في وقت النكد، مهتمة بالزينة والنظافة.
وكانت في اليوم ده بالذات لابسة توب برتقالي وناقشة حنة، زي أزاهير الربيع وقت الصباح. والعجب العجيب في أخلاقها وأصالتها، في إيدها من كرم الرجال، دافق سيول من غير حساب. كان سمعت بزول من الجيران عيان بيبكي تجي تزوره. عندها قطعة في الكلام، لمن تتكلم بتكرر الحرف الأول، يعني تمتمة خفيفة كدا، وبتتكلم بسرعة. يعني لمن تكون منزعجة كلامها مرات ما بنفهم، بتخلط الحروف بسرعة. بس تاني أي شي عندها بالمهلة. لابسة غويشات ثلاثة، كل ما تصلح توبها يصدرن أصوات المعازف والجمال.
وأبوبكر ولدهم عمره 12 سنة، ولد مسلط، عقله عقل زول عمره عشرين سنة، وشاطر في المدرسة، ولئيم لأمة، رده في طرف لسانه زي حبايبنا ديك.
الجماعة دي ركبوا عربيتهم الخاصة كرونا 89 وماشيين مدني لزواج ولد خالة جعفر. ماشيين بسرعة عشان يلحقوا الفطور مع ناس العرس. وجعفر ده أظنه ماشي بسرعة 120 كيلو في الساعة.
بعد ما العربية مشت نص ساعة كدا، رقية طبعاً راكبة في الكرسي القدام مع جعفر، وبكري راكب ورا.
رقية عاينت لبكري بالمراية لقتو نام. بدت تتكلم مع جعفر براحة كدا وقالت له: «أنت يا جعفر، الرسائل اللي بتجيك نص الليل دي شنو؟»
قال لها: «والله مرات ناس من أصحابي ومرات رسائل طاشة ساي».
قالت له: «والله أنا عارفة إنك بتغش عليّ. لأني كم مرة صحيت بالليل لقيتك بتتوسوس في التلفون، وعملت ليك فيها نايمة خوفاً من مشاكلك وهيجتك».
رد عليها وهاج طبعاً ورفع صوته: «الموضوع ده خليه هسي لما نرجع البيت، ما تتكلمي قدام الولد».
قام أبوبكر صحى من النوم وقال ليهم: «اتكلموا عادي، أساساً أنا عارف مشاكلكم كلها ونقاشاتكم. أنا زاتي زهقت منكم. كل يوم تتشاكلو، وأنت يا أبوي أمي دي دايماً بتشوفك غلطان وبتسكت، وبتخش المطبخ تبكي شديد وأنا بشوفها. ويوم قلت لها أنت مرة فطيسة بكت شديد، وأنت جيت قلت لها بتبكي ليه؟ قالت لك أنا ما ببكي كنت بقطع البصل.. ما كانت بتقطع البصل، كانت بتبكي من كلامك».
جعفر قال له: «يا ولد صمّ خشْمك ده، ما تتدخل في أمور الناس الكبار».
قال له: «سكتا يا أبوي، أصلك ما بتقبل الحقيقة».
سكتوا.
والحقيقة المُرّة هي إن جعفر مع إن زوجته الجميلة جداً من أميز النساء، إلا إنه يقيم علاقة عقيمة مع إنسانة قمة في القباحة الشكلية والجوهرية. اسمها عزيزة، كانت بتعمل الشاي قدام مقر الشركة بتاعتهم. وعمل معاها علاقة متطورة. وح نتعرف على عزيزة لقدام شوية.
خيّم الصمت الرهيب جوّه العربية، بس تسمع شيشو شوو.. العربيات دي طايرة بسرعة البرق والخيال. وفي أثناء هذا الصمت رن التلفون بتاع جعفر. شال التلفون وعاين له كدا، وكانت المتصلة هي تلك الإنسانة المتطفلة. ارتبك وما عرف يتصرف كيف، وبقى يعاين للتلفون ويعاين لرقية.
في الوقت ده بالذات جا بص من البصات السفرية ماشي بسرعة خيالية لامن بيتمايل، واتخطى العربية اللي قدامه وجا خاشي على عربية جعفر. جعفر انتبه في آخر ثانية.. وكان الوقت انتهى، لأنه كان مشغول باتصال الزولة الخاينة العامل معاها العلاقة. البص خبط عربية جعفر بجنبتها كدا والعربية طاحت وطارت من الزلط.
والزلط كان عالي ومسار واحد طبعاً.. اسمه شارع الموت لكثرة ما حصد من الأرواح.
وانقلبت العربية ثلاث قلبات وبقت منكفئة على ضهرها.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
وبهذه الحادثة المؤسفة تبدأ قصة الهدير.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الثانية:
الحادث ده يا جماعة متكرر كتير في بلدنا، والناس الساكنين قريب من الشوارع السفرية بقت عندهم مشاهد الموت والدماء في الزلط حاجة عادية. نسبة لأنو نحن البلد الوحيد في الدنيا الطرق السفرية عندنا مسار واحد. الطريق مميت، البلد قاتل. يا إلهي ما الذي يجعل حكوماتنا المتعاقبة تضيع الأموال في ما لا ينفع ولا تستطيع أن توفر للرعية طريق من مسارين؟ ما الداعي للطرق المسفلتة في نص الحلة والشوارع السفرية من مسار واحد؟ والشارع الأسود يحصد يومياً أرواح أحبابنا.
ومسؤولية الحكومة أيضاً في التساهل في إصدار رخصة القيادة وبالفساد المستشري. ممكن جداً تاخد رخصة باللف والدوران بواسطة أو غيرو وأنت سواقتك شبه. والنتيجة قتل وسفك دماء على قارعة الطريق وقتل أرواح بريئة.
والمسؤولية الثانية تقع على سائقي الشاحنات والبصات شايلة كمية من البشر وتتخطى، وقمة الاستهتار، ولو بقى في خلل في تقدير المسافة تحصل الكارثة.
والوجع راااااقد...
أول من حصل الحادث ناس المنطقة والناس اللي عندهم دكاكين في الشارع والكانوا بيشربوا في القهوة على الطريق. سمعوا ضربة الحديد على الحديد، اتلفتوا وشافوا المشهد المؤسف والعربية تتقلب والغبار قايم معاها. لمن العربية ثبتت مقلوبة، الناس ديلو جوا جارين من كل اتجاه. ناس جاين من شرق الزلط وواحدين من غرب وناس من جنوب وشمال، لغاية ما انكبوا في العربية المقلوبة.
قبل الناس ما يصلوا العربية، بكري دفر باب العربية برجله وطلع بي حبة، وطلع يعاين لأبوه وأمه من بره. أبوه سابح في دمو وأمه في بركة من الدم، لغاية ما الدم ده سايل برة العربية وطالع بين الباب والقزاز المقفول والقزاز مشقق.
بكري ضرب الباب القدام برجله وهرس باقي القزاز وغلبو يهبش أمه وأبوه، بس شال التلفون الكان واقع في سقف العربية. السقف الكان فوق وبقى تحت، وأمه وأبوه واقعين فوق بعض وكل واحد راسه من جهة. شال التلفون وعايز يضرب لخاله شقيق والدته المقرب ليهم جداً اسمه مختار.
لمن بكري عاين للتلفون لقى الخط فاتح. ختاهو في أذانه وسمع في واحدة بتتكلم وبتقول: "جعفر يا حبيبي الو الو.. أنت وين؟ الصوت ده شنو يا جعفر.. أوعه يكون حصل ليكم حاجة.. جعفر أنت وين؟ الو.."
طوالي بكري فهم إنو دي الزولة سبب المشكلة بين أمه وأبوه وهي اللي اتصلت وهي سبب الحادث. طوالي قال لها: "أنا بكري ولد جعفر.. أبوي حصل له حادث بسببك ومات.. هو وأمي.. الله ينتقم منك في الدنيا قبل الآخرة".
قالت له: "سجمي يا بكري.. جعفر حصل له شي؟"
قال لها: "قلت ليك ماااات.. مات.. يموت حيلك اقطعي وشك يلا".
وقفل منها الخط وضرب لخاله وراه الحصل بكل شجاعة. خاله قال له: "شد حيلك يا بكري أنا جاييك.. بتابع معاك بالتلفون رد لي".
الجماعة اللي في الشارع ديلو جوا جارين عشان يحصلوا الضحايا. كانوا مختلفين في الصفات، فيهم ناس مخلوعين وما قادرين يعملوا حاجة، وفيهم ناس من أهل المنطقة كانوا أهل مروة وشجاعة. طوالي اجتمعوا زي عشرة أو اثناشر كدا ورفعوا العربية شوية كدا، وفي ناس انحشروا يطلعوا الراجل والمرأة من جوا. وفي ثلاثة شباب مشوا وقفوا في الزلط وقفوا ليهم بوكسي وجابوه. ورفعوا جعفر وزوجته وهم ما معروفين أحياء ولا أموات. ورفعوا معاهم الولد وقالوا له يلا مستشفى سوبا.
ديل ناس الجزيرة، أهل الخير والبركة وذرية الصالحين. البدركو الملهوف، الواحد إذا تهبش فيهم كلو بتلقاه دواء. كان ختوه فوق الجرح يبرا. ما فكروا في مصالحهم ولا في برامجهم. إنقاذ المصاب نساهم كل شي. وأنا سوداني وديل أهلي.
ورفعوا معاهم الولد ويلا على سوبا المستشفى.
الناس بتاعين البص السفري ما حصل ليهم حاجة الحمد لله، بس اتوقفوا في الطريق. والسواق تم التحفظ عليه على ذمة التحقيق. وبقية الركاب ما عارفوا اتصرفوا ركبوا ولا الحاصل شنو بالضبط.
المهم أنا هسي ماشي مع ناس البوكسي. جعفر وزوجته مرقدين في البوكسي في نص الصندوق، والمرأة مغطيها بتوبها البرتقالي والدماء طالعة من خشمها وتشخر. والشباب زي ستة كدا راكبين على حافات الصندوق وعاملين ظل للمصابين بعمة.
أها طبعاً وصلوا المستشفى، وطبعاً ناس مستشفى سوبا ديل بختلفوا عن أي مستشفى في الخرطوم حتى المستشفيات الخاصة. عندهم اهتمام غريب بالمرضى وعناية طبية فايقة وأطباء عندهم مسؤولية سبحان الله. مع قلة الإمكانيات لكن اهتموا بحالة المصابين دي الاهتمام ده.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الثالثة:
دخل الطبيب وقال: «السلام عليكم يا جماعة».
قالوا له: «عليكم السلام يا دكتور، طمنا رقية كيف؟»
وأبوبكر مطير عيونه، بعاين للدكتور في وشه. الدكتور قال ليهم: «والله يا جماعة ما عارف أقول ليكم شنو.. لكن الحقيقة إنو رقية اتجاوزت مرحلة الخطر.. لكن تعرضت لجلطة شديدة.. تسببت في شلل نسبة 90% يعني.. ما حتتحرك إلا رقبتها وما حتكون قادرة غير إنها تتلفت.. حتى الكلام مستحيل».
الناس كلها قالوا: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
أبوبكر قال ليهم: «ما دام أمي حية.. برضو الحمد لله. وجعفر صار شنو؟» واتضايق كدا زي اللي كان في زول شتمه.
وأخذوا كم يوم في المستشفى ورقية حالتها ما ماشية في تحسن.
أها، في يوم كدا زي العصرية، جات بت غريبة لا هي من أهل جعفر ولا من أهل رقية. لون جسمها أسمر شديد قريب للسواد، ولون وشها مايل للبياض بفعل المبيضات وكريمات تفتيح البشرة. جات سلمت على جعفر وقالت له: «ناس الشغل قالوا ليك افتح تلفونك.. والتلفون مقفول من يوم الحادث».
المهم عاينت له في وشه شديد كأنها عايزة تقول له حاجة. جعفر قال للجماعة المعاه: «اطلعوا لي برة يا جماعة.. الظاهر في مشكلة في الشغل».
الجماعة طلعوا كلهم بس بكري الشافع المسلط لبد بي ورا الشباك وسمع كلامهم.
جعفر قال لها: «كيفك يا عزيزة.. والله متذكرك في أصعب الظروف، وأول ما وعيت من الغيبوبة ما اتذكرت زول غيرك».
قالت له: «فعلاً في مشكلة يا جعفر.. أنا حامل وظهر لي ضيق في الصمام. ما حأقدر أعمل إجهاض وما عارفة أتصرف كيف».
قال لها: «ما تخافي، أنا أول ما أقوم من السرير بعقد عليك. أصلاً اتفكيت من رقية تاني، حتى لو ماتت بتكون زي ما في جنازة فوق سرير.. وموضوعنا بيمشي عادي».
لما بكري سمع الكلام قعد في الواطي وقعد يبكي بيطول حسو لمن ناس المستشفى كلهم اتلموا، والسيسترات قعدوا يهرجوا.
أها خاله قال له: «يا ولد مالك؟ والله إما تسكت وتحكي لي.. وإلا هسي بطلع بره بجلدك بسير المروحة».
وخاله ساقه، طلع بيه برة في حوش المستشفى وبدأ يسأل فيه: «يا ولد أنا بتكلم معاك.. بطل البكاء.. وريني أنت مالك؟»
فجأة كدا قعدت تجعر. بعد شوية بكري سكت وقال لخاله إنو أبوه بدأ يتكلم عن الموت، واحتمال الدكتور قال لأبوه حاجة كلام عن أمه أو عنه وأبوه ما عايز يكلمهم.
خاله قال له: «هسي ده كلام بخليك تبكي كدا؟ وبعدين أنت سمعتو قال كلام واضح؟ ولا فهمت بس من كلامه كدا؟»
قال له: «والله يا خالي بس حسيت من كلامه إني تاني ما حأشوف أمي.. بس قعدت أبكي معليش خلاص سكتا».
طيب.. لو ملاحظين إنو بكري دسّ على خاله سبب البكا الحقيقي. وبكري قعد يفكر في طريقة يبعد بيها البت دي من طريق أبوه من دون ما أهل أمه يشعروا بحاجة، عشان لو أمه وعيت والكلام وصلها احتمال تحصل ليها حاجة. بقى ساكت.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الرابعة:
بقى ساكت.. ومرت الأيام وجعفر ملك الصحة.. وبقى حايم في المستشفى. وكل يومين ثلاثة البت ديك تجيهو. حتى بكري عرف الأيام اللي بتجي فيهم المستشفى.
يلا بكري الشافع المسلط اتعرف على ممرضة جميلة جمال عجيب اسمها ميسون وعزلها مخصوص عشان.. وكان بتونس معاها وبقول ليها: «أنا حاسي إنك فيك حنان أمي.. وأنا بتمنى تكوني أمي.. وأنا ما قادر أفارقك.. وووووو..»
جعفر لاحظ لولده باري البت يمين شمال حتى ناس المستشفى قايلين الممرضة بتبقى للشافع.. كان خالته كان عمته. يلا وشوية شوية.. ويوم قال ليها عايز أعرفك بابوي وجابها.. واتونست مع جعفر.. وجعفر استلطفها وكل مرة بقول لبكري ارح لصاحبتك الممرضة.. وخلاص جعفر جنا بيها.. والممرضة بقت تريد الولد ريدة مبالغ فيها.. وفكرت جادة لو جعفر طلبها للزواج حتقبل بس عشان ترعى الولد.
وجعفر عايز يفاتحها لكن خايف من عزو (عزو دي عزيزة). لكن بقى متعلق بميسون شديد وكل يوم يقول لبكري امشي نادي لينا ميسون.
أها يوم بكري ظبط مواعيد جية عزيزة ومشى نادى ميسون وقعدت تتونس مع جعفر.. ويضحكوا مع بعض وونسة دقاقة يازول. فجأة كدا عزيزة جات ولقت ليك جعفر طاقي الحنك مع الممرضة البتشبه النجفة دي. قامت النار فيها ووفارت وهاجت وبقت تدعك في يديها وساقت جعفر مشت بيهو الزقاق البيورا العنبر وبكري بعاين. شافها ليك بتنهر في أبوه وبتلز فيهو بيديها من صدره وبتدفر فيهو.. وهو بقول ليها والله يا حبيبتي ما في حاجة.
طبعاً بكري استغرب في أبوه الراجل الفارس كيف البت القبيحة دي حاقرة بيهو كدا. المهم قصص عجيبة وأنا هسي بختصر ليكم في الحاصل وحصلت قصص ومناقشات بين عزيزة وبين الممرضة في الأيام الأخيرة. لكن في النهاية عزيزة قالت لجعفر: «شفت البت الممرضة دي لو أنت عرستها عديل أنا ما بتخلى عنك.. أنا عايزاك.. أنا ما عندي غيرك قبلة».
وهنا طبعاً خطة بكري في التفريق فشلت.
أها في اليوم ده من الصباح جات الممرضة تبكي لجعفر ونادته براهو وقالت له عايزة أقول ليك كلام.. بس ما تكلم بكري عليك الله. قال لها قولي يا ميسون والله خوفتينا في شنو؟
ميسون قالت له: «يا جعفر أنا كنت بتمنى إنك في يوم من الأيام تطلب يدي لكن سبحان الله أمبارح المساء جاتنا واحدة في البيت ولمن جبنا سيرتك حكت لي قصتك مع عزيزة وحتى سعيها للإجهاض. بصراحة اتصدمت صدمة شديدة ودي الوقت أنا بقول ليك إنو البيني وبينك انتهى.. والى الأبد.. وأنتو أساساً بعد بكرة حيخرجوكم.. فأنا من اليوم بغيب من المستشفى وبكرة ما بجي عشان بكري ما يتعلق فيني.. وعليك الله قول ليهو ميسون نقلوها من المستشفى دي.. وأنت ما تعارف مكاني».
المهم جعفر بقى جواه مشاعر مختلطة وهو زاته ما فاهمها. من ناحية حزين على هذه الإنسانة الجميلة الطيبة. ومن ناحية ارتاح شوية عشان كان خايف من عزيزة تسود عيشته. ومن ناحية كاره عزيزة اللي كانت سبب في الحادث.. وهسي هي سبب في فراقه من ميسون.
المهم بما إنو رقية المشلولة شلل كامل بدأت تستعيد وعيها شيئاً فشيئاً. الأطباء قرروا إنها تمشي البيت لأنهم مكثوفين المستشفى شهر ونص.
أها بكرة فعلاً بكري جاء وبدأ يسأل عن ميسون وأبوه قال له ميسون نقلوها من المستشفى دي.. وبكرة نحن حيخرجونا ونمشي البيت وأنا لازم أفتش عليها ودوها لي أتو مستشفى؟ ونمشي ليها زيارة أنا وأنت ونجيبها معانا في البيت.
المهم بكري القصة ما راكبة ليهو في راسه وأساساً هو عايز ميسون لهدف والهدف فشل.
أها طبعاً رقية استعادت وعيها تمام التمام.. بس ما في كلام.. ولما اكتشفت إنها مشلولة بالكامل دخلت في بكاء عميق جداً وزرفت دموع بلت المخدة.. وما قادرة تنطق بكلمة وتحاول تفتح خشمها عشان تنطق بكلمة واحدة ما قادرة.. وما عارفة الحاصل عليها شنو.. بس تبكي المسكينة.
تاني يوم الأطباء دقوا ليهم خروج وأدوهم الأدوية والعلاجات اللازمة ووصوهم بالعلاج الطبيعي المبرمج في أيام الأسبوع.. واتخرجوا الحمد لله.. ومشوا البيت اللي قفلوهو من يوم العرس اللي في مدني.
يلا في البيت ده طبعاً رقية جوها أخواتها الاتنين وقعدوا معاها عشان يخدموها لأنها بقت لا حيلة لها ولا حركة. وجاء جعفر لقاهم قاعدين الاتنين..
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الخامسة:
جعفر لقى أخوات رقية الاتنين قاعدين معاها. قال ليهم: «أنتو قاعدين هنا لشنو إن شاء الله؟»
الكبيرة قالت له: «أنا بجيكم بالليل بعد المغرب، وسوسن أختي بتجيكم بالنهار».
قال ليهم: «نحن ما محتاجين ليكم، وأنا أساساً ما ناقص وجع راس. كفاية وجع الراس اللي كانت عاملاهو رقية أختك قبل ما ترقد جنازة كدا».
ورقية تسمع وتعاين بعيونها وطبعاً ما قادرة ترد، بس دموعها بتكب.
المهم الأخت الكبيرة اسمها تقوى. قالت له: «أها البخدمك منو ويخدم أختنا وولدها؟»
قال ليهم: «بجيب خدامة». وهو طبعاً عنده راي في الموضوع ده. من أول ما جاب رقية ورماها في البيت، طلع مشى لعزيزة وجا منها أنصاص الليالي.
ولا بكري ولا أمه ما لقوا زول يهتم بيهم. لغاية بكري مشى ادان لبن وفول من الدكان، جا أكل الفول وسقى اللبن لأمه، وناموا وهو جا داخل البيت الساعة 2 صباحاً. ونام وطلع الصباح. وبكري لبس وطلع المدرسة، وخلوا المرأة الراقدة مريضة براها ولا زول معاها.
زي الساعة عشرة صباحاً كدا جاتها عزيزة في البيت. سبحان الله.
دخلت عزيزة على رقية وقفلت الباب وراها. والمرأة المشلولة تعاين مستغربة في الشخصية الغريبة اللي أول مرة تشوفها. دي منو يا ربي؟
جات قعدت جمبها وقالت لها: «أنا عارفة إنك مشلولة وواعية وما بتقدري تتكلمي. أنتِ ما بتعرفيني، أنا عزيزة.. أنا عزو حبيبة جعفر وخطيبته. شفتي الرسائل القاعدة تجيه بالليل؟ الرسائل دي كلها مني. وهو بيحبني أنا وأنتِ ماسكك عشان الولد. وكل يوم بقول عايز يطلقك أنا بحميه. لكن بعد ده نحن ما مستعدين نخدم لينا جنازة بتتنفس. أحسن ليك تتلمي على أهلك. أنتِ زولة منحوسة، ونحن زاتنا ما عندنا حظ. كان المفروض تموتي في الحادث كان اتلحستي كنا ارتحنا منك».
ورقية طبعاً ساكتة وتعاين ليها مبهوتة. وجواها بتغلي غلي، وشها حمر وخشمها بقى يرجف، وريقها نشف من الزعل.
بعد ما عزيزة كملت كلامها كله طلعت. ورقية بدأت تبكي براها.
جات مرأة من الجيران لقت رقية بتبكي وبقت تسأل فيها: «في حاجة واجعاك؟» هزت راسها كدا (يعني لا). «عايزة الحمام؟» لا. «جيعانة؟» لا. المهم مشت عملت ليها عصير وجات سندتها وسقتها. وضربت لأختها سوسن وقالت لها: «أختك مجدوعة في البيت براها وبتبكي. حرام عليكم يا عباد الله، دي إنسانة مريضة مكسورة الجناح».
طوالي سوسن مشت لأخوها مختار في بيته وقالت له: «يا أمشي اقنع جعفر يخليني أقعد مع رقية أو نمشي نجيب رقية. الكلام ده ما بجي. رقية قاعدة براها ولا في زول جايب ليها خبر. كان ماتت ما في زول بعرف إنها ماتت. يلا».
سبحان الله في الوقت ده جعفر كان بحضر في نفسه عشان يعقد على عزيزة بعد بكرة.
عزيزة قالت له: «نحن عشان نعيش مرتاحين ودي رقية لأهلها».
قال لها: «حاضر.. أطلقها؟ ولا أوديها ساي؟»
قالت له: «طلقها. ولو بقت كويسة ممكن ترجعها، لكن بحالتها دي بتبقى ليك علة ساي».
قال لها: «والله صدقتي، ما في زول مهتم بي غيرك».
ومشى جعفر إلى البيت وهو مصمم على طلاق رقية.
لما وصل جعفر للبيت لقى مختار اللي هو أخو رقية وخال بكري ومعاه أخته سوسن قاعدين. واتفاجأ بوجودهم أصلاً بخاف من مختار موت.
المهم طوالي مختار خش فيه: «اسمع يا جعفر أنت ليه بتمنع أخوات رقية يقعدوا معاها؟ وأنت أصلاً ما موجود في البيت. هسي لو احتاجت ليها لحاجة تعمل شنو؟»
قال له: «ما في مشكلة، أنا أساساً الليلة عايز أطلقها وتسوقوها معاكم».
قال له: «طيب وولدك؟»
قال له: «ولدي خليه ليكم.. بخيت وسعيد عليكم».
في اللحظة دي بكري جا خاشي من المدرسة وسمع أبوه. طبعاً بكري بقى ما شايف قدامه من الغمة والزعل من كلام أبوه ده.
قال ليهم: «طبعاً أبوي عايز يتزوج عزيزة».
خاله قال له: «عزيزة منو؟»
قال له: «تتذكر يا خالو البت اللي جات لأبوي في المستشفى وأمي ما شافتها؟ وقعدت تتكلم مع أبوي على إنها من ناس الشغل.. وأنا قعدت أبكي وأنت سألتني وأنا نكرت؟ متذكر؟»
خاله قال له: «أيوة متذكر.. أها؟»
قال له: «دي ياها عزيزة يا خالو وأبوي عايز يتزوجها.. وكمان أنا سمعت إن..»
سكت أبا يتم الكلام. خاله قال له: «كمل».
قام جري مشى على المطبخ وقعد في الأرض وقعد يبكي. والوقت ده كله جعفر صابة فوقو مطرة.. ساكت سااااااي.
المهم مختار فهم الحاصل. قال له: «يا جعفر والله أنت ما راجل. عليك الله ده ظرف تتخلى فيه عن أولادك...»
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة السادسة:
مختار قال له: «يا جعفر والله أنت ما راجل. عليك الله ده ظرف تتخلى فيه عن أولادك؟»
جعفر قال له: «يا أخي أنا ما قادر أعيش مع مشلولة طول عمري ده. إذا أنتو شايلين همها خلوها معاكم. أنا ما قادر عليها. وأنا برضو إنسان وأنا بعد عندي حياة».
مختار قال له: «يعني شنو يا جعفر؟ بتطلقها وتوديها لينا؟»
جعفر قال له: «أيوة كمان، أنا حطلقها وتودوها معاكم».
مختار قام من مكانه وقال له: «يا جعفر أنت إنسان ما عندك ضمير ولا قلب. الله يحاسبك. وأنا ما حاخلي أختي تطلق وهي في الحالة دي. خلاص هسي بنوديها معانا وهي على ذمتك. وإذا ربنا شافها ورجعت لطبيعتها برضو هي على ذمتك. أنت راجل وعليك مسؤولية. يا ريت تعرف إنك راجل. وأنا حاخلي أختي ما تطلق منك حتى لو ماتت. خلاص إحنا حنوديها معانا البيت».
جعفر قال له: «ما في مانع، وديها أنت».
مختار قال لبكري: «يا ولد قوم جهز شنطة أمك وشنطتك كمان».
بكري قام وهو زعلان وزهقان وجهز شنطة أمه وشنطته وجابهم. وطلعوا بيهم. سوسن مشت قدام ومختار واثنين من الجيران شالوا رقية وطلعوا بيها وودوها بيت مختار.
ورقية طبعاً كانت فرحانة إنها مشت من البيت ده. بس كانت متضايقة شديد من كلام جعفر.
أها يازول في البيت ده لما وصلوا، مختار أمر زوجته وعياله إنهم يخدموا رقية ويعاملوها معاملة كويسة. وسوسن كمان بقت قاعدة معاها.
أما بكري فكان فرحان جداً إنهم ودوه بيت خاله، لأنه كان متضايق شديد من أبوه ومن معاملته لأمه.
المهم بعد أسبوع من ما رقية راحت بيت أخوها، جعفر مشى وعقد على عزيزة. وصار الزواج وكل الناس عارفين الحاصل.
أما رقية فقعدت في بيت أخوها وهي في حالتها هذي. ما قادرة تتكلم ولا تتحرك إلا راسها ورقبتها. وكل يوم بكري يرجع من المدرسة يقعد معاها ويحكي ليها ويطمنها. وكانت ترتاح له جداً.
أها يازول بعد شهر من الحادث، جات عايدة بنت خالة رقية تزورها. وعايدة كانت بتشتغل دكتورة علاج طبيعي في مستشفى كبير. ولما شافت رقية في الحالة دي انفجرت تبكي.
قالت ليها: «يا خالتي أنا حاخدك معايا كل يوم علاج طبيعي عندي في المستشفى. ما تخافي حنعالجك وإن شاء الله ترجعي لطبيعتك».
ورقية طبعاً ما قدرت ترد بس دموعها كبت من الفرحة.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة السابعة:
من يومها وكل يوم عايدة تمشي تأخذ رقية من بيت أخوها وتمشي بيها علاج طبيعي. وكانت تعمل ليها تمارين وتدليك وكل ما يلزم.
وفي أحد الأيام وبعد ما خلص العلاج، عايدة قعدت معاها وقالت ليها: «يا رقية والله أنا متعجبة منك. أنتِ ما بتتعبي ولا بتزهقي من التمارين. وأنا شايفاك كل يوم في تحسن. لكن عندي سؤال يا رقية، ليه ما بتتكلمي؟ أنت عندك قدرة على الكلام، ليه ساكتة؟»
ورقية ظلت تعاين ليها وما ردت.
عايدة قالت ليها: «أنا عارفة إنك بتفهمي كل اللي بقوله. قولي لي يا رقية، أنتِ ما بتتكلمي ليه؟»
ورقية ظلت ساكتة وما ردت.
عايدة قالت ليها: «طيب، لو ما قدرتي تتكلمي، حركي راسك كدا إذا كان عندك سبب».
ورقية حركت راسها بمعنى نعم.
عايدة قالت ليها: «في سبب بيمنعك تتكلمي؟»
ورقية حركت راسها نعم.
عايدة قالت ليها: «السبب ده متعلق بجعفر؟»
ورقية حركت راسها نعم.
عايدة قالت ليها: «سمعت إنو جعفر اتجوز؟»
ورقية حركت راسها نعم.
عايدة قالت ليها: «هل السبب إنك شايفة نفسك عالة على أخوك وما عايزة تكلمي من كثرة الزعل؟»
ورقية حركت راسها نعم.
عايدة قالت ليها: «يا رقية والله إنتِ غلطانة. أخوك مختار راجل محترم وكريم وما شايفك عالة عليه. هو فرحان إنك عندو ومرتاح. وولدك بكري كمان بيحب إنك عند خالو. فما تكسري خاطرك. قومي تكلمي وارجعي زي زمان. والله يا رقية أنتِ إنسانة جميلة وطيبة وأخلاقك عالية، ما يليق بيك الحالة دي. أرجوكِ تكلمي».
ورقية ظلت تعاين ليها وما ردت، لكن عينيها امتلت دموع.
عايدة قالت ليها: «أنا هسي حروح أجيب لك كباية عصير وأرجع ليك. وأتمنى لما أرجع أسمع صوتك».
عايدة مشت، ورقية قعدت تفكر في كلامها كلو. ولأول مرة بعد الحادث حسّت إن في زول بيهتم بيها وبيحب يسمع صوتها.
بعد دقايق رجعت عايدة بالعصير، ولقت رقية قاعدة ووشها لونه مختلف. عايدة قالت ليها وهي بتبتسم: «ها؟ جاهزة تتكلمي؟»
ورقية فتحت خشمها وقالت بصوت واطي ومرتجف: «أنا.. أنا خايفة..»
عايدة نطت من الفرحة وقالت: «الحمد لله! تكلمتي يا رقية! الحمد لله!»
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الثامنة:
عايدة فرحت فرحة كبيرة لما سمعت صوت رقية. قالت ليها: «الحمد لله يا رقية، أخيراً تكلمتي. والله أنا فرحانة جداً. كملي كلامك، قولي شنو اللي خايفة منو؟»
رقية قالت لها بصعوبة وببطء: «خايفة.. أرجع.. أتكلم.. وأرجع.. أسكت.. تاني».
عايدة قالت ليها: «لا لا، ما حترجعي تسكتي. التمارين اللي عملناها للسان وللحنجرة أثبتت مفعولها. أنتِ لازم تستمري في الكلام كل يوم. حتى لو كلامك بطيء وفيه تقطيع، استمري. وأنا معاك كل يوم».
رقية قالت لها: «شكراً.. يا عايدة.. والله.. أنتِ.. طيبة.. معاي».
عايدة ابتسمت وقالت ليها: «دي واجبي يا خالتي. وأنتِ تستاهلين كل خير. بس عندي طلب منك».
رقية قالت: «قولي».
عايدة قالت ليها: «كل يوم لما تجي هنا، أنتِ لازم تتكلمي معايا. حتى لو كلام بسيط أو أسئلة أو أي حاجة. ما تقعدي ساكتة. اتفقنا؟»
رقية قالت: «اتفقنا..».
من ذلك اليوم، بدأت رقية تتكلم تدريجياً. كانت تتكلم ببطء وبتقطيع، ومرات بتكرر الحروف، لكنها كانت بتتحسن يوم بعد يوم.
وبكري كان سعيد جداً لما عرف إن أمه رجعت تتكلم. وكان كل يوم يرجع من المدرسة يقعد يحكي معاها ويضحكها ويحكي ليها اللي صار معاه في المدرسة.
أما جعفر فكان مشغول بحياته الجديدة مع عزيزة. وما كان بيسأل عن رقية ولا عن ولده كثير. مرات بيجي يشوف بكري ويوديه مصروف ويمشي.
وذات يوم، عايدة كانت قاعدة مع رقية بعد جلسة العلاج، وقالت ليها: «يا رقية، والله أنا شايفاكِ كل يوم بتتحسني. وأنا متأكدة إنك لو استمريتي كدا حتتقدمي كثير. بس عندي سؤال».
رقية قالت: «قولي..».
عايدة قالت ليها: «أنتِ لسة بتحبي جعفر؟»
رقية سكتت لحظات وقالت بصوت واطي: «ما عارفة..».
عايدة قالت ليها: «كيف يعني ما عارفة؟»
رقية قالت: «أنا.. زعلانة.. منو.. كثير.. بس.. قلبي.. لسة.. فيهو.. حاجة..».
عايدة قالت ليها: «يعني لسة بتحبيه؟»
رقية ما ردت.
عايدة ابتسمت وقالت: «طيب ما تكلمي في الموضوع ده الحين. لما تكوني جاهزة بنتكلم. بس أنا شايفة إنك محتاجة إنسان يهتم بيك ويخليكِ تحسين إنك إنسانة وليس مجرد مريضة. إنسان يقدرك».
ورقية ظلت تعاين ليها وما ردت.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة التاسعة:
اها يازول في المرة الجاية لمن ما جا..
رقية نظمت عديل وقالت لعايدة: «وينو؟ وينو؟ وينو؟»
قالت ليها عايدة: «شنو يا رقية؟»
قالت ليها: «أخوك.. أخوك..»
طوالي اتبسمت عايدة وقالت ليها: «المرة الجاية بجيبه معاي.. مشغول شوية..»
يازووووووووول.. عايدة مشت وحكت لحسان، وحسان قال ليها:
«يعني تفتكري لو عرضت عليها موضوع زي ده بتقبل؟»
قالت له: «والله دي مجازفة بحياتك يا حسان».
قال ليها: «أنت ما عارفة الحاصل.. تعالي أحكي ليك..»
نشوف المرة الجاية حكا ليها شنو؟
اها طبعاً حسان قعد مع أخته عايدة وقال ليها:
«عارفة أنتِ لمن كنتِ بتحكي عن رقية.. أنا حسيت إنها إنسانة بتهمني شديد.. وشعرت تجاها بولاء غير عادي واشتقت إني أشوفها.. أنا ما عارف ليه.. وما عارف شنو اللي جاب لي الإحساس ده.. أنا أصلاً كنت أفكر أتزوج.. لكن لمن شفت صورتها وسمعت عنها حسيت إني ما بدي أي زولة غيرها..»
عايدة قالت له: «يا أخي أنت ما عارف إنها مشلولة وما بتتحرك؟»
قال لها: «عارف.. وما قاعد أفكر في الشلل ده.. أنا قاعد أفكر في الإنسانة.. في قلبها.. في أخلاقها.. في طيبتها.. في صبرها..»
عايدة قالت له: «طيب يا حسان هسي بتكون جاهز تتزوج امرأة مشلولة؟»
حسان قال لها: «أنا جاهز.. ومستعد.. ومقتنع.. وما عندي أي مانع..»
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة العاشرة:
اها يازول في اليوم الثاني عايدة جات معاها حسان ودخلوا على رقية.
لمن رقية شافت حسان ارتبكت واتنرفزت.. وأول ما دخلوا التفتت لعايدة وقالت لها: «ليه ما قلتلي إنه جاي معاك؟»
عايدة قالت لها: «كنت عايزة أفاجئك».
رقية قالت لها: «أنا ما أحب المفاجآت دي.. أنا لابسة كدا وحالي كدا..»
حسان ابتسم وقال لها: «والله يا رقية أنتِ زينة في كل حال.. وما في داعي للإحراج.. أنا جاي أزورك وأشوفك وأطمن عليك».
رقية سكتت وصارت تعاين في حسان وما تتكلم.
عايدة قامت وقالت ليهم: «أنا برا أسوي لكم شاي.. اتكلموا براحتكم».
وخرجت وسكرت الباب وراها.
صار سكون بينهم فترة، وبعدين حسان تكلم وقال لها: «رقية.. أنا جاي أتكلم معاك في موضوع مهم.. وأبغاكِ تسمعيني براحتك وتفكري في الكلام».
رقية قالت له بصوت واطي: «قول..»
حسان قال لها: «أنا من أول يوم عايدة حكت لي عنك وشفت صورتك.. حسيت إنك مختلفة.. حسيت إن في شي جواك يستاهل.. وأنا راجل ما أحب ألف وأدور.. أنا جاي أقول لك إني أبغاكِ تكوني زوجتي.. أبغا أتزوجك.. وأنا مستعد أتحمل كل اللي جاي معاك.. أنا ما خايف من الشلل ولا من العلاج ولا من أي حاجة.. أنا خايف أفوتك..»
رقية استغربت جداً واتفاجأت من الكلام.. وظلت تعاين له بصدمة وما قدرت ترد عليه بكلمة.
حسان قال لها: «ما تستعجلي في الرد.. خذي وقتك وفكري.. وإذا عندك أي سؤال أو أي شرط أو أي حاجة أبغاكِ تقولي ليها.. أنا جاهز أسمعك».
رقية ظلت ساكتة وما ردت.. بس واضح إنها مصدومة من الكلام اللي سمعته.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الحادية عشر:
اها يازول رقية ظلت تعاين لحسان وما قدرت ترد عليه. الكلام اللي قاله حسان كان بالنسبة لها صدمة كبيرة. كيف زول ما يعرفها إلا من كم شهر يجي يقول لها كلام زي ده؟ وهي في حالتها دي؟
رقية أخيراً فتحت خشمها وقالت له بصوت واطي: «أنت ما تعرفني.. وأنا في الحالة دي.. كيف جاتك الفكرة دي؟»
حسان رد عليها بهدوء: «أنا عارف إنك مشلولة.. وعارف إنك ما بتتحركي.. بس أنا شايفك إنسانة تستاهل.. وأنا مقتنع تماماً باللي قلته ليك».
رقية قالت له: «أنا مطلقة ومعندي حيلة ولا حركة.. وأنت راجل سليم ومعندك مشكلة.. ليه تضيع نفسك فيّ؟»
حسان قال لها: «ما أنا قاعد أضيع نفسي.. أنا قاعد أختار.. واختياري إني أبغاكِ أنتِ. وإذا قبلتِ، والله ما حتندمي».
رقية سكتت فترة طويلة وهي نازلة براسها.. بعدين رفعت عينيها وقالت له: «خليني أفكر.. الموضوع ده كبير عليّ وما قدرت أستوعبه».
حسان قال لها: «خذي وقتك.. أنا ما مستعجل.. بس أبغاكِ تعرفي إني جاد ومقتنع بكلامي».
وفي اليوم ده طلع حسان وهو محمل آمال كثيرة، ورقية قعدت في مكانها وهي في حيرة كبيرة.. ما عارفة تاخذ القرار كيف.
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الثانية عشر:
اها يازول بعد ما طلع حسان، رقية قعدت تفكر كثير. الكلام اللي قاله لها حسان ما كان سهل عليها. مرات كانت بتضحك لوحدها ومرات بتزعل ودموعها بتنزل.
جات لها عايدة بعد ما حسان مشى وقالت لها: «ها يا رقية.. شنو رأيك في حسان؟»
رقية قالت لها: «والله يا عايدة أنا ما عارفة أرد. زول ما يعرفني إلا من كم شهر يجي يقول لي كلام زي ده؟ وأنا في الحالة دي؟ كيف؟»
عايدة قالت ليها: «أنا عارفة إن الموضوع صعب عليك، بس والله حسان جاد. أنا أعرفه كويس، وهو من أول ما حكيت له عنك وهو ما قادر ينساك. كل يوم بيسأل عنك وبيحكي عنك. والله يا رقية أخوي راجل طيب ومسؤول وما بيكذب».
رقية قالت لها: «أنا خايفة يا عايدة.. خايفة أكون عالة عليه.. خايفة أفشله.. أنا ما قادرة أتحرك ولا أسوي له أي حاجة.. كيف يعيش معاي؟»
عايدة قالت لها: «هو عارف كل ده.. ومع ذلك جاي يطلبك. يعني هو مستعد يتحمل المسؤولية دي كلها. أنتِ بس قولي لي رأيك الصريح.. تحبينه؟ ولا ما فيك إحساس تجاهه؟»
رقية سكتت فترة وقالت بصوت واطي: «والله أنا ما عارفة.. قلبي لسة مربوط في جعفر.. حتى بعد كل اللي سواه فيّ.. لسة فيه شعور تجاهه.. وما قادرة أنساه بسهولة».
عايدة قالت لها: «يعني ما فيك استعداد تتزوجي حسان؟»
رقية قالت: «خليني أفكر يا عايدة.. الموضوع كبير وما ينفع أقرر فيه بسرعة».
في هذي الأثناء جعفر كان سمع إن في زول جاي يخطب رقية، فجأة بدأ يغير معاملته. صار يجي كل يوم يشوفها ويحكي معاها ويجيب لها هدايا ويحاول يتقرب منها. وكأنه فجأة تذكر إنه متجوز.
رقية لاحظت التغيير ده في جعفر، وصارت أكثر حيرة..
-----------------------------------------------------------------
رواية: الهدير - بقلم: طارق اللبيب
الحلقة الثالثة عشر والأخيرة:
اها يازول بعد ما سمع جعفر إن في زول جاي يخطب رقية، قام قعد يراجع نفسه. رجع يجي كل يوم يزورها ويحكي معاها ويجيب لها هدايا ويحاول يرجعها له.
بس رقية صارت مختلفة. كانت تعامله ببرود شديد وما كانت تفرح لما يجي. في يوم من الأيام قالت له: «يا جعفر أنا ما فاهمة شنو اللي جابك الحين. زمان كنت عايزني أموت ولا أشوفك، ودلوقت جاي كل يوم؟ أنا أصلاً ما فاهمة نفسك».
جعفر حاول يداري الموضوع وقال لها كلام حلو، لكن رقية ما انقادتش. كانت عارفة إنه رجع لأنه خاف يخسرها لزول ثاني.
أما حسان فكان جاد من أول يوم. ظل يطالب فيها ويكلم أهلها ويصر على رأيه. وفي النهاية رقية وافقت على حسان. وافق أهلها وتم العقد بينهم.
بعد العقد بفترة قصيرة، حسان ما أخر العرس. تم الزفاف والناس كلها حاضرة. رقية كانت قاعدة على كرسي متحرك، مزينة زينة العروس، وحسان قاعد جمبها.
وبكري واقف بعيد يشوفهم ودموع الفرحة في عينيه.
حسان ما ضيع وقت. بعد ثلاثة أيام فقط سافر معاها ألمانيا. صرف عليها عشرات الآلاف من الدولارات ودخلها أحسن المستشفيات. قعد معاها شهرين بالتمام وهو يتابع علاجها يوم بيوم.
سبحان الله، من يوم ما عقد على رقية، تجارته ازدهرت وكل أموره مشت كويس.
بعد شهرين رجع حسان ورقية، ورقية كانت قد رجعت تمشي على رجليها. نزلت المطار وهي تمشي زي الظابط، والناس كلهم انصدموا من الفرق.
حسان جهز لها بيت جديد من طابقين، وفتح لها حساب خاص وخصص لها نسبة من أرباح شركته. وعاشوا حياة ما كانت تحلم بيها رقية يوم من الأيام.
وذات يوم وهي راكبة مع حسان، وقفوا جنب بقالة. لما نزلت لقت زول واقف قدامها يعاين ليها. التفتت له فقال لها: «رقية.. كيف حالك؟»
نظرت له مليح وقالت له: «أنت منو؟»
قال لها: «أنا جعفر..»
قالت له برقة وبرود: «ما بعرف زول بالاسم ده».
وضحكت وقالت: «إنعل أبو الشخيت زاتو».
الحادث اللي كان كارثة في حياة رقية، صار في النهاية أكبر نعمة جاتها. وصدق الله العظيم: وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.
لو كملت الرواية وعجبتك، خت لايك في منشور الفيسبوك وأكتب لينا، الرواية الجاية الحابي ننشرها ليك في المدونة في قسم رويات سودانية، وممكن تشارك الرابط لي أصحابك عشان تبرمجوا مع بعض وتكملوا باقي الروايات الجاية، وماتنسى تقول لينا رايك بصراحة في مدونة سودانية بنقرأ كل التعليقات وبنكون مبسوطين شديد وبنرد على كل التعليقات إن شاء الله، وإلى أن نلقاكم في الرواية القادمة فتناكم بي عافية وفي أمان الله وحفظة ورعايته...
مدونة سودانية - روايات سودانية
