في زمن كان دخول المرأة السودانية إلى الجامعة أمراً نادراً، والعمل خارج المنزل يثير اعتراضات اجتماعية كبيرة، كانت فتاة من أم درمان تحلم بأن تصبح طبيبة.
لم تكن تعرف أن حلمها الشخصي سيتحول لاحقاً إلى جزء من تاريخ السودان.
كان اسمها خالدة زاهر.
كبرت في أم درمان، وتلقت تعليمها في وقت لم يكن فيه الطريق أمام الفتيات إلى التعليم العالي سهلاً.
لكنها لم تتوقف عند حدود ما كان المجتمع يتوقعه منها.
كانت تريد أن تدرس الطب.
من أم درمان إلى كلية الطب
وُلدت خالدة زاهر في أم درمان عام 1927، ونشأت في أسرة شجعتها على التعليم، وكان والدها من الداعمين لطموحها الدراسي رغم الاعتراضات التي واجهتها الفتاة السودانية في ذلك الوقت.
تلقت تعليمها الأولي والثانوي، ثم أصبحت واحدة من أولى الفتيات السودانيات اللواتي التحقن بكلية كتشنر الطبية، التي أصبحت لاحقاً جزءاً من جامعة الخرطوم.
وكان التحاقها بالكلية في عام 1946 خطوة استثنائية في مجتمع لم يكن معتاداً على وجود النساء في دراسة الطب.
فتاتان في كلية الطب
لم تدخل خالدة زاهر كلية الطب وحدها.
في العام نفسه التحقت بها زروحي سركسيان، وأصبحتا لاحقاً أول امرأتين تتخرجان طبيبتين في السودان.
كان الطريق أمامهما مختلفاً عن أي طريق سار فيه معظم طلاب الطب في ذلك الوقت.
فلم يكن التحدي هو دراسة الطب فقط.
كان عليهما أن تثبتا أن المرأة السودانية قادرة على دخول مهنة كانت تُعد في ذلك الوقت مجالاً للرجال.
عام 1952.. لحظة تاريخية
بعد سنوات من الدراسة، وصلت خالدة زاهر وزروحي سركسيان إلى لحظة تاريخية.
في عام 1952 تخرجتا من كلية الطب، لتصبحا أول طبيبتين تتخرجان في السودان.
لم يكن ذلك مجرد نجاح شخصي لخالدة.
كان حدثاً فتح الباب أمام أجيال من النساء السودانيات لدراسة الطب والعمل في المجال الصحي.
لكن التخرج لم يكن نهاية المعركة
ربما كان من السهل أن يعتقد البعض أن الحصول على شهادة الطب يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً.
لكن الواقع كان مختلفاً.
واجهت خالدة وغيرها من النساء المتعلمات اعتراضات اجتماعية كبيرة بسبب عمل المرأة، وكانت فرص النساء في الوظائف محدودة، كما واجهت بعض الطبيبات مضايقات أثناء ذهابهن إلى العمل وعودتهن منه.
وهنا قررت خالدة ألا تكتفي بأن تكون طبيبة.
أرادت أيضاً أن تساهم في تغيير الظروف التي تواجهها المرأة السودانية.
من الطب إلى الدفاع عن حقوق المرأة
في عام 1948، شاركت خالدة زاهر مع فاطمة طالب في تأسيس جمعية الفتيات الثقافية، وهي من أوائل التنظيمات النسائية السودانية التي اهتمت بتعليم النساء والتوعية الصحية ومحو الأمية.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها.
تعليم المرأة.
رفع وعيها.
ومساعدتها على فهم حقوقها وصحتها.
لكن هذه الأفكار كانت تحمل في ذلك الوقت معنى أكبر بكثير.
ولادة الاتحاد النسائي السوداني
بعد سنوات قليلة، أصبحت خالدة زاهر من مؤسسات الاتحاد النسائي السوداني عام 1952.
ركز الاتحاد على قضايا مهمة، من بينها حق المرأة في العمل، وحقها في المشاركة السياسية، والمطالبة بحقوقها الاجتماعية.
وهكذا أصبحت خالدة تتحرك في مسارين في الوقت نفسه.
في النهار، طبيبة تعالج المرضى.
وفي المجال العام، امرأة تعمل من أجل تغيير واقع النساء في السودان.
طبيبة للفقراء والأطفال
لم يكن الطب بالنسبة إلى خالدة زاهر مجرد وظيفة.
عملت في وزارة الصحة، وتدرجت في مسيرتها المهنية حتى أصبحت رئيسة قسم طب الأطفال في وزارة الصحة، كما عُرفت بعلاج الفقراء مجاناً في عيادتها.
كما اهتمت بالتوعية بصحة الأطفال والنساء، وعملت في مناطق مختلفة من السودان.
وبذلك أصبح تأثيرها يتجاوز المستشفى والعيادة.
كانت تحاول أن تصل بالمعرفة الطبية إلى الناس أنفسهم.
امرأة سبقت زمانها
عندما ننظر إلى قصة خالدة زاهر اليوم، قد يبدو من الطبيعي أن تصبح المرأة طبيبة.
لكن الأمر لم يكن كذلك عندما بدأت هي الطريق.
كانت فتاة سودانية تدخل مجالاً لم يكن المجتمع معتاداً على وجود النساء فيه، ثم أصبحت طبيبة، ثم ناشطة في قضايا المرأة، ثم واصلت عملها في مجال الصحة لسنوات طويلة.
ولهذا لم يكن إنجازها في حصولها على شهادة الطب فقط.
بل في أنها فتحت الباب أمام من جاء بعدها.
إرث خالدة زاهر
توفيت خالدة زاهر عام 2015، بعد حياة امتدت لعقود من العمل في الطب والمجتمع.
لكن اسمها بقي مرتبطاً بتاريخ المرأة السودانية.
فالمرأة التي دخلت كلية الطب في أربعينيات القرن الماضي، عندما كان ذلك أمراً استثنائياً، أصبحت واحدة من الشخصيات التي ساهمت في تغيير صورة المرأة السودانية في التعليم والعمل والطب.
ومن بعدها، دخلت أعداد كبيرة من السودانيات إلى كليات الطب والمستشفيات والجامعات.
الخاتمة
بدأت قصة خالدة زاهر بحلم فتاة من أم درمان أرادت أن تصبح طبيبة.
لكن الحلم لم يتوقف عندها.
تحولت خالدة إلى طبيبة، ثم إلى واحدة من رائدات العمل النسائي في السودان، وأصبحت قصتها جزءاً من تاريخ طويل من نضال المرأة السودانية من أجل التعليم والعمل والمشاركة في المجتمع.
وفي عام 1952، عندما خرجت خالدة زاهر من كلية الطب، لم تكن تحمل شهادة لنفسها وحدها.
كانت تحمل دليلاً على أن الباب الذي كان يبدو مغلقاً أمام المرأة السودانية يمكن أن يُفتح.
فهل كانت خالدة زاهر أول طبيبة سودانية فحسب، أم أنها كانت أيضاً واحدة من النساء اللواتي غيّرن الطريق أمام أجيال كاملة من السودانيات؟
